آخر تحديث: 6 / 12 / 2021م - 11:52 م

وقت الهروب من السجن

ميرزا الخويلدي * صحيفة الشرق الأوسط

رغم مآسيها، كان لجائحة «كورونا» بعض الحسنات. واحدة من فضائلها، أنها منحت ملايين البشر القدرة على اختبار قدراتهم على كسر العادات القاهرات.

ماذا يعني أن يلتزم الناس لعدة أشهر الإقامة الجبرية في بيوتهم، وأن يوصدوا أبوابهم في وجوه الزائرين، وأن يمتنعوا عن ممارسة عاداتهم الاجتماعية، وأن يتعلموا أن يحبوا أنفسهم أكثر ويعتنوا بعائلاتهم أكثر؛ لو لم يجبروا على الانفكاك من قيود بعض العادات الآسرة! اكتشفوا فجأة أن حياتهم سارت بوتيرة جيدة رغم أنهم خسروا مجالس الأصدقاء التي كانوا يدمنون عليها، كما فقد الأبناء مقاعد مدارسهم، والموظفون مكاتبهم... العزلة رغم قساوتها أوجدت فرصة للتأمل، للتفكير، للقراءة، للتواصل مع العائلة، لنقد الذات، والأهم أنها كانت مناسبة لكي يتحرر البعض من عادات كان يظنها قدراً.

بعض التقاليد يكون خرقها أشرف من احترامها، كما يقول شكسبير، أطفأت «كورونا» بعض وهج الاشتغال بهذا الكون، وكأن الإنسان مسؤول عن إدارته... جعلته يرى حجمه ويقفل راجعاً نحو الذات...

في كتابه «أنا أحب ذاتي» يلاحظ ديفيد هاملتون، «أن الحاجة البيولوجية إلى البحث عن اتصال مع الآخرين غالباً ما تقودنا إلى محاولة أن نكون شخصاً آخر»... «كن حقيقياً، وتذكر دوماً أن تكون لطيفاً مع ذاتك. عش حياتك كما تريد أن تعيشها. إنها الشيء الوحيد الذي تمتلكه» يقول هاملتون، ويزيد: «لستَ في حاجة أن تقنع أحداً بما تستحقه. أنت تستحق لأنك كذلك. إن حياتك جديرة بالاهتمام لأنها كذلك. إن الحقيقة الأساسية أنك كافٍ. أنت لم تكن غير كافٍ، ولن يكون هناك وقت تكون أي شيء غير أنكَ كافٍ. تلك حقيقة أيضاً».

ما زالت بعض العادات تقيد أصحابها، خذ مثلاً هذا الإدمان المرضي على وسائل التواصل؛ أجهزة الجوال الحديثة ترسل تقريراً أسبوعياً لمستخدميها عن عدد الساعات التي يقضونها في استخدام جهاز الهاتف المحمول... المدهش أن متوسط هذا الاستخدام يزيد عن عدد ساعات النوم أو ساعات العمل، دون أن تترك أثراً إيجابياً على الفكر أو النفس أو الوجدان، يدخل المرء سعيداً ويخرج منها كئيباً مشحوناً بالطاقات السلبية...

العادات سلاسل، هكذا يراها محمود درويش: «إني أحبك، رغم أنف قبيلتي ومدينتي وسلاسل العادات»، لكن «الإبقاء على التقاليد البالية، سخف ومهلك» كما يرى نجيب محفوظ... أما معروف الرصافي، فله قصيدة رائعة في تمثيل قهر العادات:

كل ابن آدم مقهور بعاداتِ

لهن ينقاد في كل الإراداتِ

يجري عليهن فيما يبتغيه

ولا ينفك عنهن حتى في الملذاتِ

قد يستلذ الفتى ما اعتاد من ضررٍ

حتى يرى في تعاطيه المسراتِ

عادات كل امرئٍ تأبى عليه بأن

تكون حاجاته إلا كثيراتِ

إني لفي أَسر حاجاتي ومن عجب

تعودي ما به تزداد حاجاتي

كل الحياة افتقارٌ لا يفارقها

حتى تنال غناها بالمنياتِ

الحُر مَن خرقَ العادات منتهجاً

نهج الصواب ولو ضد الجماعاتِ

وَمَنْ إذا خذل الناسُ الحقيقة عن

جهلٍ أقام لها في الناس راياتِ

أَغْبى البرية أرفاهم لعادته

وأعقل الناس خَراقٌ لعاداتِ