آخر تحديث: 13 / 5 / 2021م - 6:25 م

مدفع رمضان

علي محمد عساكر *

هناك الكثير من المظاهر التي يختص بها شهر رمضان الكريم على غيره من الشهور، والتي فرضتها طبيعة هذا الشهر المبارك وخصوصياته التي يمتاز بها على غيره من سائر الشهور، إضافة إلى ما له من قدسية خاصة في نفوس وقلوب المؤمنين.

ومن بين هذه المظاهر الرائعة الجميلة التي كانت موجودة وسائدة في العصور القديمة، بل وإلى عهد قريب جدا «المدفع الرمضاني» الذي - ظاهرا - كان يطلق ثلاث مرات في كل يوم من أيام هذا الشهر المقدس.

الأولى: عند غروب الشمس، من أجل إعلام الصائمين بانتهاء الصيام ودخول وقوت الإفطار.

الثانية: عند منتصف الليل، من أجل إيقاظ النائمين، وتنبيه المسلمين لتناول وجبة السحور.

الثالثة: قبل دخول الفجر بقليل، من أجل إعلام الصائمين بدخول الفجر ليمسكوا عن الطعام والشراب وسائر المفطرات.

وربما ظن البعض من الناس أن استخدام المدفع الرمضاني كان عن تفكير ودراسة وتخطيط، نتيجة عدم وجود الكهرباء ومكبرات الصوت التي من شأنها أن توصل صوت المؤذن إلى جميع البيوت، فيعرفون - على أثر ذلك - الأوقات، كما هو سائد في العصر الحديث.

فكأنهم يرون أن المسلمين في سابق الزمان كانوا يعيشون الحيرة في كيفية إعلام الصائمين بأوقات الإفطار والسحور والإمساك، لعدم وجود هذه الوسائل الحديثة التي حلّت الكثير من المشاكل المعقدة، والتي من بينها هذه المشكلة الرمضانية، وبعد طول تفكير ودراسة للموضوع اهتدوا إلى قضية المدفع الرمضاني.

وربما تصور البعض أنهم اهتدوا إلى ذلك من خلال «طبول الحرب» التي كانت تقرع في ذلك الزمن في الحرب والقتال، فاستفادوا منها فكرة إطلاق المدفع الرمضاني عند الغروب ووقت السحر وقبل الفجر بقليل.

ولكن الواقع أن هذا ظن أو تصور خاطئ ولا يمثل من الحقيقة شيئا، وهو مخالف لما جاء في التاريخ بشأن المدفع الرمضاني وكيفية ظهوره في حضارة الأمة الإسلامية.

ثلاث روايات بشأن مدفع رمضان:

هناك ثلاث روايات بشأن بداية مدفع رمضان، وكيفية ظهوره وانتشاره في العالم الإسلامي، والمستفاد منها أن المدفع الرمضاني ظهر في حياة المسلمين صدفة، وليس عن تخطيط ودراسة، وأما هذه الروايات فهي على النحو التالي:

الرواية الأولى - في عهد السلطان المملوكي الظاهر خشقدم:

تشير بعض الأخبار إلى أن أول بلاد تم فيها استخدام المدفع الرمضاني هي جمهورية مصر العربية، وذلك في عهد السلطان المملوكي «الظاهر خشقدم» الذي حكم مصر عام 865 هـ  حتى وفاته عام 872 هـ ، وكان أحد أحياء القاهرة القديمة الواقع في «الغورية من القاهرة» يسمى باسمه «حوش آدم»

وهو الملك الظاهر، سيف الدين خشقدم بن عبد الله الناصري المؤيدي، أحد سلاطين دولة المماليك في مصر.

عُرف «بالناصري» نسبة إلى الخواجة ناصر الدين الذي أحضره إلى مصر، وباعه على الملك المؤيد، فعُرف بالمؤيدي.

وقد أعتقه الملك المؤيد وعينه جمدار «أي المشرف عل ملابس السلطان» ثم أصبح خاصكيا «أي من الحرس الخاصين للسلطان» وترقى في المناصب إلى أن أصبح في عهد الملك الظاهر جقمق، وفي دولة السلطان إينال، ومن ثم أتابكا «أي قائد الجيش» إلى أن تولى السلطة بعد خلع المؤيد أبي الفتح أحمد.

وفي عهده ظهر المدفع الرمضاني في حياة المسلمين إثر حادثة لطيفة، وهي أنه أهدي إليه مدفعا ضخما كبيرا، فأراد أن يتأكد من المدفع وصلاحيته للاستعمال، فأمر بتجربته.

ومن غرائب الصدف أنه تم تجربته عن طريق إطلاق أول طلقة من طلقاته عند غروب شمس أول يوم من أيام شهر رمضان المبارك عام 865 هـ ، فتأكد السلطان من سلامة المدفع وصلاحيته للاستخدام، وظن أن الأمر قد انتهى عند هذا الحد، ولم يدر في خلده أن هذه الطلقة سيكون لها شأن عظيم وأثر كبير جدا في حياة الأمة الإسلامية، وأنها ستكون بوابة لابتكار طريقة جديدة وجميلة لإعلام الصائمين بوقت إفطارهم وسحورهم وإمساكهم، وأنه سيكون صاحب الفضل الأكبر في ذلك كله!

ولكن هذا ما حدث فعلا! إذ ما إن تم تجربة المدفع وإطلاق تلك الطلقة منه، والتي صادفت وقت الغروب من أول أيام شهر رمضان لتلك السنة، حتى استبشر المسلمون في القاهرة خيرا، وظنوا أن هذه طريقة جديدة ابتكرها لهم سلطانهم ليساعدهم على العلم بوقت الغروب ودخول وقت الإفطار، فما كان منهم إلا أن شكلوا في اليوم الثاني وفدا كبيرا مكونا من مشايخ ووجهاء القاهرة بكل أحيائها، وتوجهوا إلى منزل القاضي - الذي يمثل مقر الحكم في ذلك العصر - وأبلغوا القاضي تحياتهم، وطلبوا منه أن يرفع إلى السلطان شكرهم وتقديرهم وامتنانهم لهذه اللفتة السلطانية الكريمة، إذ ابتكر لهم هذا المدفع الرمضاني الجميل الذي سيكون له أعظم الأثر في حل مشكلتهم ومساعدتهم على معرفة الأوقات في رمضان!

وذهب القاضي إلى السلطان وقص عليه القصة، ورفع إليه شكر الأهالي وامتنانهم لهذه المكرمة السلطانية التي لا تقدر بثمن! فتعجب السلطان من الأمر، ثم انقلب تعجبه منه إلى التفكير فيه، فقرر إطلاق المدفع في كل يوم من أيام رمضان، وذلك عند الغروب، ووقت السحر، وقبل الفجر، وأعطى أوامره بذلك.

ومنذ ذلك التاريخ وعلى أثر هذه الحادثة اللطيفة دخل المدفع الرمضاني في حياة المسلمين.

وكان هناك خمسة مدافع رمضانية تطلق في أحياء مختلفة من القاهرة:

مدفعان بحي القلعة، ومدفع في مصر الجديدة، وآخر في العباسية، والخامس في حلوان.

 الرواية الثانية - في عهد محمد علي باشا:

وهو محمد علي باشا المسعود بن إبراهيم آغا قوللي الألباني، المولود سنة 1769م «لأسرة ألبانية» في مدينة قولة بمحافظة مقدونيا الواقعة شمال اليونان.

وهو مؤسس الأسرة العلوية، وحاكم مصر 1805م-1848م، ويلقب بالعزيز، أو عزيز مصر، ووصف بمؤسس مصر الحديثة.

وما قيل بشأن ظهور المدفع الرمضاني في عهده أنه وصله أحد المدافع من ألمانيا، فأراد تجربته، وكان ذلك وقت الغروب في أول يوم من شهر رمضان، فنال ذلك استحسان الناس ورضاهم، مما جعله يأخذ قراره باستمرار إطلاقه.

 الرواية الثالثة - في عهد الخديوي إسماعيل:

وهو إسماعيل بن إبراهيم باشا، بن محمد علي باشا، المولود في 31 ديسمبر 1830م، في قصر المسافر خانه بالجمالية، وتولى الحكم بعد وفاة محمد سعيد باشا بتاريخ 18 يناير 1863م من دون معارضة، وذلك لوفاة أخيه الأكبر «غير الشقيق» أحمد رفعت باشا، وتوفي في 2 مارس 1895م، في منفاه بقصر إمير جان بإسطنبول بعد إقالته ونفيه.

وما قيل بشأن ظهور المدفع الرمضاني في عهده أن بعض الجنود كانوا يقومون بتجربة أحد المدافع، فانطلقت منه قذيفة دوت في سماء القاهرة حتى سمعها الجميع، وكان ذلك مع أذان المغرب من أول يوم من رمضان، مما جعل الناس يظنون أن هذه طريقة حديثة ابتكرها الخديوي لإعلامهم عن دخول وقت الإفطار، وانتشر الحديث في أوساطهم عن ذلك، حتى وصل الخبر إلى الحاجة فاطمة ابنة الخديوي إسماعيل، التي أعجبتها الفكرة، فطلبت من الخديوي إصدار فرمان بأن يجعل إطلاق المدفع عادة رمضانية جديدة.

وأحد المدفعين اللذين يتم إطلاقهما في القلعة - كما سبقت الإشارة - يسمى «مدفع الحاجة فاطمة» والبعض يقول إنها زوجة السلطان خشقدم، والبعض يذهب إلى أنها ابنة الخديوي إسماعيل.

الرواية المرجحة:

والمرجح بين هذه الروايات هي الرواية الأولى، التي تقول بظهور المدفع الرمضاني في عهد السلطان المملوكي خشقدم، وذلك لوجود المدفع الرمضاني في حياة المسلمين قبل عصر الخديوي إسماعيل، وقبل محمد علي باشا.

فابن كنان أثناء ذكره لحوادث سنة 1129 هـ  يذكر في الصفحة «74» من كتابه «يوميات شامية» أنه في «ليلة الأحد، ثبت هلال رمضان، وضرب كم مدفع»

وهو تاريخ متقدم جدا على تاريخ تولي محمد علي باشا الذي كان يصادف سنة 1219 بالهجري، ومن الطبيعي أن يكون متقدما على حكم الخديوي إسماعيل أيضا، لأنه بعد محمد علي باشا، كون سنة توليه الحكم هي 1279 هـ .

وفي بعض المنقولات أن الجبرتي يشير في تاريخه إلى أن مدفع العيد كان يضرب في مصر طيلة الاحتلال الفرنسي الذي امتد من سنة 1798م إلى 1801م، أي أنه كان سابقا لفترة حكم الأسرة العلوية التي أسسها محمد علي باشا.

بل أن يوسف بن تغري بردي بن عبد الله الظاهري الحنفي، ذكر في كتابه «حوادث الدهور في مدى الأيام والشهور» أن «المدفع صرخ بين يدي السلطان خشقدم في أواخر رمضان أكثر من مرة» كما ذكر «أن الذي سبك المدفع للسلطان هو إبراهيم الحلبي بقلعة الجبل»

لكنه لم يذكر مجيء الناس إلى السلطان وطلبهم منه أن يأمر بإطلاق المدفع عند وقت كل إفطار.

وابن تغري معاصر لدولة المماليك، بل وعاش في عهد حكم السلطان خشقدم، لأنه توفي سنة 874 هـ ، وقد عرفنا أن السلطان خشقدم تولى الحكم سنة 865 هـ  وتوفي سنة 872 هـ .

وعليه فالمرجح أن مدفع رمضان كان في مصر في عهد السلطان المملوكي خشقدم، ومن مصر انطلق إلى الشام، ودخل إلى العرق والأردن، وانتشر في الدول الإسلامية والعربية، بما في ذلك دول الخليج وغيرها.

وبقيت المدافع الرمضانية تطلق حتى بعد تطور الحضارة الإنسانية، ودخول الكهرباء إلى الديار الإسلامية، ووجود مكبرات الصوت التي توصل أصوات المؤذنين إلى كل الأحياء والبيوت، وكانت طلقات المدفع الرمضاني تنقل مباشرة عن طريق الإذاعة والتلفاز، ويسمعها المسلمون وغيرهم في سائر دول العالم، ولكن كان للسمع المباشر طعمه وذوقه الخاص في نفوس وقلوب المسلمين الصائمين.