آخر تحديث: 27 / 1 / 2021م - 6:38 م

حين ننقاد لمن نحب من أنوفنا!

هي الروائح تهدينا لمن نحب من الأماكن والأشخاص، فعندما سارت القافلة في اتجاه أرض كنعان، حيث يسكن يعقوب ، قال يعقوب لمن حوله من أولاده الباقين معه، والناس الذين يحيطون به ﴿إِنِّي لأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ وأُحسّ بها، رائحة عطرة كما لو كان يوسف إلى جانبي، لولا أنكم تسفهون رأيي وتنسبونني إلى الخرف وضعف الرأي. رائحة يحملها ثوب يوسف شمها أبوه إعجازًا، أو في كناية عن قرب اللقاء.

وذكر ابن الكلبي أن الماء لما أُجري على قبرِ الحسين ليعفى قبره وأثره فنضب الماءُ بعد أربعينَ يوما فجاءَ أعرابي من بني أسد فجعل يأخذ من الترابِ قبضةً قبضة ويشمها حتى وقع على قبرِ الحسين فشمَّ رائحتَه أزكى من المسك فبكى وقال: بأبي أنت وأمي ما أطيبك وما أطيب تربتك وما حوت ثم أنشد:

أرادوا ليخفوا قبره عن محبِّهِ
وطيب تراب القبرِ دلَّ على القبرِ

وهي الروائح في المدن حين يحل الفجر فتهدأ أصوات محركات المدنية الحديثة، تبقى حاسة الشم وحدها تعرف روائح الندى وروائح البحر والنخل، حتى وإن أغلقت عينيك تعرف أين يقع البحر، وأين منابت النخل والزرع. روائح الطبيعة والمخابز والأسواق تميز البلدان عن غيرها، ويعرفها أهلها.

فليس غريبًا حين أجبرت الأزمة الكثير من سكان المملكة المتحدة أن يبقوا مؤقتًا بعيدًا عن مسقط رأسهم - المملكة المتحدة - في العديد من البلدان حول العالم، فابتَكرت إحدى الشركات هديةً خاصة لهم، عبارة عن نسمةٍ حقيقية من هواء الوطن الأم. واحدنا يقول أصحابُ العقول في راحة، لكنها رائحة الوطن، ومن بادلوا بالمالِ القواريرَ المعبأة برائحة بلدانهم، هم حقًّا عقلاء شعروا بقيمة أوطانهم واشتاقوا لها.

روائح تختزنها ذاكرتنا ولا ننفك نعشقها وإن تغير المكان، وفي هذه السنة - 2021م - وما قبلها افتقدناها بسبب كمامات الأنف التي اختزلت كل الروائح، طيبها ورديئها.

حقًّا إن الوطن له رائحةٌ لا يشمها إلاّ من يفيض بالشوقِ والحنين. نكبر في داخله ويكبر في داخلنا، وروائحهُ تتسلل بصمتٍ في ذاكرتنا وحاضرنا، تقرع أبوابَ العمر واحدةٌ بعد الأخرى بعنف. رائحةُ آلافٍ من السنين، عطرًا لا يباع، وكأن امرأ القيس عناها فقال:

أَلَم تَرَياني كُلَّما جِئتُ طارِقًا
وَجَدتُ بِها طيبًا وَإِن لَم تُطَيَّبِ

مستشار أعلى هندسة بترول