آخر تحديث: 27 / 1 / 2021م - 6:38 م

ثقافة الاعتذار

محمد يوسف آل مال الله *

قال رسول الله ﷺ: كلّ بني آدم خطاء وخير الخطائين التوابون.

يؤكد الشارع المقدس على ضرورة الاعتذار، ذلك أنّ من طبيعة الإنسان الخطأ، غير أنّ العقلاء من الناس هم فقط مَنْ يدركون أنّ هذا الخطأ قابل للتصحيح والاعتذار لمثل هذا الخطأ حيث يرفعهم إلى مقامات عالية وبقدر نبلهم وحسن خلقهم يسعون جاهدين ومبادرين إلى الاعتذار لمن أخطأوا بحقهم وإن كان أقلّ منهم مكانة اجتماعية أو أصغر منهم سنّاً ذلك أنّ الاعتذار بحد ذاته يمثل مظهراً حضارياً وثقافة عالية وسلوك حسن، بل يعكس مقدار ثقة المرء المعتذر بنفسه واحترام الآخرين من بني جنسه.

لا تقتصر ثقافة الاعتذار على شعب معين أو فئة معينة أو ملة محددة، حيث أنّ الاعتذار بحد ذاته قيمة عالية من قيم الإنسان المتحضّر وسلوك حسن من سلوكيات العقلاء، أولئك الذين يتطلعون إلى مقامات عالية ويسمون بأخلاقهم ويترفعون عن التعالي والتكبر والغرور الذي يصيب البعض منّا وكأننا ملوكاً وجبابرة، فكمال الفضائل شرف الأخلاق كما يقول إمامنا أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ، وقد شهدت الكثير من المواقف التي تتطلب الاعتذار خلال دراسي الجامعية في الولايات المتحدة الآمريكية، ورأيت كيف هي بسيطة جداً ولا تتطلب الكثير من المخطئ، سوى أن يخرج من فاهه كلمة ”آسف“ «I am sorry».

يعتقد البعض أنّه وبمجرد حصوله على مركز أعلى أو مكانة أرقى من غيره، فإنّ له الحق بأن يتصرف كيفما شاء دون اعتبار لمن هم تحت إمرته ورئاسته أو حتى ولايته. ما أجمل أن نرى المعلّم يعتذر لتلاميذه عندما يصدر منه خطأ أو تحدث منه زلة وكذلك المدير أو الرئيس حينما يقدم اعتذاره لموظيفه فهي من أرقى سلوكيات الإدارة الفاعلة، كما أنّ على الوالدين والإخوة الكبار تقديم اعتذارهم عند صدور ما يتطلب الاعتذار في حق أبنائهم أو إخوانهم أو أخواتهم فذلك يعضّد اللحمة والمحبة بينهم ويرفع من قدرهم وشأنهم.

هذا السلوك وهذا التصرّف من كبار السن أو ذوي المراكز الرفيعة يخلق أجواءً من الاحترام والتقدير، بل لا يقتصر على العلاقات المهنية أو العائلية بل يجب أن يتعدى هذا السلوك إلى كل العلاقات الإنسانية بغض النظر عن نوعها وصفتها، فهذه الثقافة تحتاج إلى تدشين وممارسة مستديمة يراها الصغار فتكون طريقاً لبناء شخصيات تتحلى بالثقة بالنفس وتزرع في أذهانهم الرغبة في الاعتذار وفي أنفسهم حلاوته وتزيل من على عواتقهم صفة الخجل أو الضعف، ولا يقتصر هذا على الوالدين في تربية أبنائهم على هذا السلوك، بل نحن بحاجة إلى تبني مثل هذه الممارسات في مدارسنا ومجالسنا واجتماعتنا.

هناك فرق كبير بين أن تعتذر لإيمانك بأنّ الاعتذار سلوك حسن وأن تعتذر خوفاً من الطرف الآخر وتجنّباً من عقابه. علينا أن نعتذر لكل مَنْ أخطأنا في حقهم سواء كان طفلاً او ابناً او ابنةً او خادمةً او سائقاً أو عاملاً، قريباً كان أو بعيداً، مواطناً أو مقيماً، ذكراً كان أو أنثى، بل يجب أن لا نكتفي بالاعتذار لرؤوسائنا او لمن يفوقنا قوة فنحن بحاجة لثقافة الاعتذار وفق احترام الآخرين وليس الخوف منهم، كما أنّ الاعتذار من غير ذنب جهالة وتثبيت للذنب. يقول أمام المتقين الإمام علي : «من اعتذر من غير ذنب فقد أوجب على نفسه الذنب».

لقد أظهرت إحدى الدراسات العلمية أن «80%» من الرجال لا يعترفون بخطئهم، ولا يقدّمون اعتذارًا لأحد من باب العِند والأنانية والكبرياء، وفي الغالب خوفاً من فقد الهيبة، أو الظهور بمظهر الضعف والانهزام، في حين أن «20%» فقط من الرجال على استعداد لتقديم الاعتذار، ولكن بصورة غير مباشرة. قد تتساءل لماذا الرجال فقط!!! وأجيب بأنّ الغالب في المجتمعات العربية هي مجتمعات رجولية من حيث الهيمنة والسيطرة والإدارة وهذا ما يجعل الحاجة ملحة لمثل هذه الدراسة من السلوكيات، وهذا بالطبع لا يعني أننا نستثني المرأة من هذه الثقافة وممارسة هذه السلوكية، بل على العكس تماماً فهي المعلمة الأولى في زرع هذه الثقافة في نفوس الأبناء من خلال ممارسة هذه السلوكية معهم.

باستطاعة المثقفين في أي مجتمع كان القيام وتنظيم ورش عمل في هذا الجانب، فالسلوكيات ممارسات يمكن إيجادها وتطويرها في الإنسان، يتعرّفون من خلالها على الطرق الصحيحة للاعتذار حيث أنّ هناك الكثير من تلك الطرق منها ما هو حسن وجميل ومنها ما هو قبيح حتى وإن كان المقصد منها الاعتذار، وقد تختلف أشكال الاعتذار حسب المواقف والأشخاص. هناك من يرضى بسماع كلمة ”آسف“ حتى وإن كانت عبر الهاتف، بينما آخرون لا يرضيهم إلاّ الاعتذار الصريح الواضح وجهاً لوجه، فتقديم الاعتذار لا يعني بالضرورة أن يتقبّله الآخر، لذا عليك أن تتوقع أن المتلقي قد يحتاج لوقت لتقبّل الاعتذار أو حتى رفضه على أسوأ الاحتمالات.

قبل عدة أشهر وبينما كنت أحضر حفل زفاف ابن أحد الأصدقاء التقيت ببعض الأصدقاء الذين كنت معهم على تواصل مستديم وصرت أصافحهم واحداً تلو الآخر حتى وصلت إلى أحدهم فامتنع عن مصافحتي دون معرفة السبب، ما استنكره بقية الأصدقاء فانزويت جانباً وقلت في نفسي لعلني أخطأت في حقه فانتظرتهم حتى ينصرفون من الحفل وتوجهت إلى حيث يجلسون لاستكمال سهرتهم.

وصلت وبدون مقدمات توجهت إلى هذا الصديق استفسر عن سبب تصرفه معي بتلك الطريقة وأبديت اعتذاري قبل كل شيء وقلت لعلني أخطأت في حقك دون أن أعلم أو أنّه وصلك كلاماً عني فأجاب بكلام غير معقول متهمني بالغرور والتكبّر، إلاّ أنّ بقية الأصدقاء استنكروا عليه ذلك ولم اكتف بجوابه وحاولت أن أعرف السبب الحقيقي لذلك التصرّف المهين في حقي حتى أفصح عمّا في نفسه وأوضحت له الأمر وكان ثمة سوء فهم منه في إحدى المواقف التي مضى عليها أكثر من ثلاثة أشهر آنذاك وخرجت من المجلس وهو متمسك بموقفه مني غير أنّه وفي أقل من أسبوع دعاني لحضور حفل زواج ابنه وكأن شيئاً لم يكن وقبلت الدعوة.

سردت هذه القصة دون الخوض في تفاصيلها الكاملة وما دار بيننا من مناقشات وذلك لتوضيح أنّ الاعتذار شيء جميل يترفع المعتذر عن التعالي والتكبر الذي يصيب بعض الأشخاص، فلا يخطر ببالك لحظة أنّ الاعتذار ينقص من كرامتك أو قوة شخصيتك، بل على العكس تماماً حيث شعرت بالرضا وزادت ثقتي بنفسي ولدى أصدقائي أيضاً ممن كانوا حاضرين هناك، فالشخص الواثق من نفسه هو الذي يبادر بالاعتذار ويستطيع تدارك الموقف ويعيد العلاقات لأصلها الطبيعي كما حصل معي. تجربة حية عشتها وشعرت خلالها بقيمة الاعتذار وخصوصاً في المواقف التي يوجد فيها الكثير من الاحتمالات المغلوطة أو التي يُساء فهمها.

فمن خلال التجارب وما نلحظه ونسمع عنه في حياتنا اليومية، نستطيع القول بأنّ الناس على ثلاثة أصناف، فصنف يبادر بالاعتذار في لحظة صدور الخطأ منه، وصنف يستغرق وقتاً يراجع نفسه فيه ثم يعتذر وآخر يصر على عدم الاعتذار مهما كان نوع الخطأ الصادر منه، وهذا دليل على ضعف شخصيته وثقته بنفسه، بل يُعد من المتكبرين المذمومين.

نخلص إلى أنّ الاعتذار تقويم لسلوك سلبي يظهر من خلاله مدى شجاعة الفرد على مواجهة الواقع والتحديات المغروسة لدى الكثير من الناس حول ثقافة الاعتذار على أنه ضعف ومذلة وإهانة للنفس. يقول المصطفى ﷺ: «مداراة الناس نصف الإيمان، والرفق بهم نصف العيش» ويقول عليه أفضل الصلاة والسلام: «إنّ أحبكم إلىّ وأقربكم مني يوم القيامة مجلساً أحسنكم خلقاً وأشدكم تواضعاً» والحمد لله رب العالمين.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 4
1
ضيف الله محمد الغامدي
15 / 1 / 2021م - 8:25 م
للمصادفة البحتة والله، كتبت هذا المقال لقروب جماعتنا بعنوان " ثقافة الاعتذار"..
ثم ظهر لي موضوعك الجميل ـفيما يبدو. لأني لم أتم قراءته حتى الآن ــ وأنا أبحث في النت عن موضوع الأخلاق، وخصوصا الأخلاق المتصنعة.. وهذا التعليق من المرات القلائل التي أعلق فيها على الكتاب عامة .. وهي مجرد تفاعل آني مع مقالتك .. ولك تحياتي .
.....
ثقافة الاعتذار

ثقافة الاعتذار لدينا ، لها صبغة معقدة ... ومع ذلك فهي في كثير من الأحوال لا تغني عن المعتذر شيئا !!
نزعم ــ في معرض الجدل ــ أننا أكثر الناس قدرة على الاعتذار إذا عرفنا أخطاءنا ... ولكن الشيطان في التفاصيل كما يقولون .. إذ دون اعترافنا بخطئنا خرط القتاد، إذا ما عرفنا أن الاعتذار يحمل تبعات!!
.....
لم أستطع الإكمال لمحدودية الحروف .. وسأكمل في تعليق آخر
2
ضيف الله محمد الغامدي
15 / 1 / 2021م - 8:28 م
لكنه أسهل من شرب الماء إذا تأكدنا أن لا تبعات له ..والأمثلة لا تكاد تحصى.
غير أن ما يلفتني أنه في بعض الأحيان يقدم المرء اعتذاره وأسفه "سماحة" وحسن خلق، ثم يندم لاحقا لأنه اعتذر لمن لا يستحق، فيصحّ فيه قول العرب: من اعتذر فقد اتهم نفسه!!
وظني أن هذا الالتباس والتعقيد منشأه اختلاف الناس في الذوق والفهم والتلقّي، فمن الناس من يحمل قلبا سليما، وأخلاقا طيبة "أصيلة" وليست مدّعاة أو نفاقا، وهذا يستحق الاعتذار، بدون تكلف.
ومن الناس من يملك عقلا راجحا، وشعورا بالمسئولية تجاه الآخرين، وهذا يستحق الاعتذار أيضا لكن بعد أن تقنعه، بأنك تعتذر لأنك وإياه في غنى عن مراكمة الحقد، أو تعقيد الأمور..
...
يتبع أيضا :)
3
ضيف الله محمد الغامدي
15 / 1 / 2021م - 8:29 م
من الناس من له فضل مواقف، وشرف أرومة وعائلة، فتعتذر له حفظا لمكانته، وعدم استنزال حميّته إلى ما لا يليق بك أو به..
وغنيّ عن القول أن المعتذر هنا رجل "حصيف" عالم بأحوال الناس، وله من التجارب ما يميّز به فلانا عن فلان.
وفي الجهة المقابلة، ربما كان خصمك، مريضا نفسيا، يشعر بالاضطهاد، وأن الآخرين يتآمرون عليه ويسمى هذا المرض بـ"البارنويا" وأفضل حلّ لك أن تتجاهله، وألا يجمعك به مجلس أو حادثة، وإن صرخ صراخ الأطفال، أو طحن نفسه من الكيد والغيظ كالنساء، فالتجاهل أكثر ما يستحق منك .. فلا تحتاج لتعتذر له أصلا ..
ومن الناس من هو جاهل، أو سفيه متهور طائش، فلا تعطيه اعتذارك، فالاعتذار رأسمال الرجال العقلاء .. ولا يصحّ أن تؤتي السفهاء أموالا ولا اعتذارا ..
.....
يتبع أخيرا
4
ضيف الله محمد الغامدي
15 / 1 / 2021م - 8:34 م
وفي الجهة المقابلة، ربما كان خصمك، مريضا نفسيا، يشعر بالاضطهاد، وأن الآخرين يتآمرون عليه ويسمى هذا المرض بـ"البارنويا" وأفضل حلّ لك أن تتجاهله، وألا يجمعك به مجلس أو حادثة، وإن صرخ صراخ الأطفال، أو طحن نفسه من الكيد والغيظ كالنساء، فالتجاهل أكثر ما يستحق منك.. فلا تحتاج لتعتذر له أصلا.
ومن الناس من هو جاهل، أو سفيه متهور طائش، فلا تعطيه اعتذارك، فالاعتذار رأسمال الرجال العقلاء .. ولا يصحّ أن تؤتي السفهاء أموالا ولا اعتذارا
ومن الناس من يجمع كل صفات القبح، ودناءة الأصل، وعفن المحتدّ، وعقل الأبله، ونفس الشيطان، فادعس على غاربه، فمثله مثل من يزحم الأسواق ويسدّ الطرقات، ويغلي الأسعار، ولا يأت بخير أينما وجهوه.

أعتذر عن طول التعليق .. وخلاص ما أعوّدها.
تقديري لك ولك من يكتب في الشأن الاجتماعي.