آخر تحديث: 29 / 10 / 2020م - 4:12 م

بلاسم رسول الإنسانية (ص)

ورد عن أمير المؤمنين : طبيب دوار بطبه، قد أحكم مراهمه وأحمى مياسمه..» «بحار الأنوار ج 34 ص 240».

لا يمكن لنا أن يحيط معرفة بشخصية أعظم الخلق وأفضلهم ﷺ إلا من أوتي الحكمة وفصل الخطاب كأمير المؤمنين ، والذي برع - أيما براعة - في اختصار أهداف البعثة المحمدية بأسلوب وجيز يقرب للأذهان تلك الأدوار المهمة التي عمل من أجلها الرسول الأكرم ﷺ، فقد كان ﷺ متحملا لمسئولية إصلاح ما ابتليت به البشرية من أمراض عقائدية وأخلاقية رمتهم بالضلال والانحراف، كما كان ﷺ صاحب همة عالية ومتسلحا بآلية الصبر وتحمل كل المتاعب والظروف الصعبة المكتنفة لمهمته الرسالية والتبليغية.

فأولى تلك الدروس المستقاة من السيرة النبوية تحديد الأهداف الإصلاحية والعمل الجاد من أجل تجسيدها على أرض الواقع، ولم تكن العراقيل والعقبات الكثيرة في وجهه ﷺ والمتمثلة بعناد وعدوانية أعدائه وإطباق الجهل على البسطاء من الناس، بالذي يصده عن مواصلة مسيرة الدعوة إلى الهدى والحق وإصلاح ما اعوج من أحوال الناس على شتى الصعد الحياتية، بل واجه كل التحديات بروح الاطمئنان وشجاعة الموقف والحكمة في الحوار وتنوع أساليب الدعوة، فالرسول الأكرم ﷺ خبير بتنوع النفوس وما يصلح لها من أسلوب توجيه وهداية، فيخاطبه ويتعامل معه وفق مبدأ الفروق الفردية والاختلاف في الجوانب الشخصية، فهناك تفاوت في الفهم والتعامل لابد من مراعاته لتحقيق غرض الإصلاح، كما أن أساليب عرض الأدلة والبراهين تتعدد عند رسول الله ﷺ - كما يستعرضها القرآن الكريم في دليل نظام الكون - بما يتوافق ويلائم المستوى الفكري لأفراد مجتمعه وما يناسب بيئتهم، فكان نتاج جهوده العظيمة طوال ثلاث وعشرين سنة من الدعوة والصبر على الأذى هو دخول الناس في دين الله أفواجا، وكان العامل الأهم في تقبلهم وقناعتهم بالإسلام هو ما يمتلكه ﷺ من خلق رفيع سبب جاذبية له وتقبلا لمنطقه الصائب، فلينه وتواضعه أسر القلوب فجبلت النفوس على احترامه وتقديره إلا من قبل شرذمة أظلمت نفوسها وطمست عقولهم عن إدارك حقائق التوحيد.

وقد أشار أمير المؤمنين إلى تلك الهمة العالية والعمل الجاد عند رسول الله ﷺ بالتعبير عن ذلك بالطبيب الدوار بطبه، أي أنه ﷺ ليس بطبيب الروح والقلوب الذي يقبع في زاوية في بيته منتظرا مجيء المرضى ليعالجهم، بل إنه يبادر ويبحث عن أحوال الناس ويضع يده على آلامهم ومصادر الأوبئة التي تصيبهم، فقد كان ﷺ يجالس الناس ويذهب إلى نواديهم «أماكن جلوسهم» ليعرض عليهم الدين الحنيف وبراهين المعرفة الإلهية بما يتناسب وعقولهم، وهكذا ينبغي أن يكون عليه المصلح المقتدي برسول الله ﷺ فلا يصب اللعنات على ظلام الظواهر السلبية أو يسطر كلمات النقد السلبي دون حراك بأي مبادرة، بل يكون مشعل هداية يتحرك مع الناس في قراءاتهم وأفكارهم الثقافية والعقائدية والاجتماعية، متخذا أسلوب الحوار الهاديء في إيصال فكرته واستعراضها بما يكتنفها من دليل، فما يحرك الرسول الأعظم ﷺ تحمله لمسئولية ثقيلة ملقاة على عاتقه وهي هداية الناس وإرشادهم نحو الحق والفضيلة، وقد كان قلبه الرؤوف يحيط الناس بالرأفة والصفح والتسامح والتغاضي عن زلاتهم.

وهذا الطبيب كان يعالج النفوس والقلوب مما يصيبها من داء الانحرافات العقائدية والأخلاقية والبنية الاجتماعية، فيهرع إلى معالجة ومداواة تلك النفوس التي شقيت وابتليت بأمراض كالتكبر والعكوف على المفاسد والمنكرات، حتى أشرقت الأنوار المحمدية فيهم فكانت صناعة تلك العصبة المؤمنة من أصحابه المنتجبين الذين نصروه وساندوه، ولقد عالج حالات الجهل والتخلف والعقائد الفاسدة والعادات القبيحة التي انتشرت كوباء أصاب الناس، فداواهم بالقيم والآداب الإسلامية البانية لشخصياتهم والمعلية لشأنها في فضاء الكرامة ونزاهة النفس.

وكما للطبيب خطان في العلاج: المراهم والأدوية، فإن لم تنفع ولم تؤت ثمارها لجأ لخط الكي وهو آخر العلاج، فإن الرسول الأكرم ﷺ يأخذ النفوس بأسلوب الترغيب ورجاء الجزاء الأوفى على فعل الصالحات وصنع المعروف، وما لم تتهذب النفس بذلك لجأ إلى الترهيب والتحذير والنتائج المترتبة على الانزلاق في وحل الشهوات والعقائد الفاسدة.