آخر تحديث: 22 / 10 / 2020م - 10:43 م

عدسات غير لاصقة

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة الاقتصادية

يتبدل المشهد عن المعتاد بتؤدة، وكأن العالم يخلع عباءة ليلبس أخرى، ولا يبدو الأمر كتعاقب لفصول العام، بل هو قدوم اقتصاد ليزيح آخر.

فيما يحط غبار كورونا على كل منا أن يتساءل عن خطوته أو حتى خطواته المقبلة، لكن كيف سيتصرف كل منا؟ منذ الأزل وعقليات البشر تتفاوت، فهناك عقلية ”تشغيلية“ تعيش على التفاصيل وتبحث عنها، وهي بين صفقات وبيع وشراء، وبالمقابل هناك من لا يرى إلا الإجماليات والعموميات. ليس هناك أفضل أو أسوأ، فالحاجة لا تكتمل بإحدى العقليتين، بل بكلتيهما. وإذا أسقطنا تفاوت العقليات على تجربتنا الحاضرة من الجائحة، نجد أن العقلية المستغرقة في التفاصيل يصيبها الإجهاد بالتشتت، أما التي تنظر إلى الأمر من بعيد فتعاني انشقاقا عن الواقع. وسبب الإجهاد الذي يصيب المستغرق بالتفاصيل هو بحثه عن اتجاه البوصلة وسط كومة من ”الفتات“ المعلوماتي.

والتحدي دائما هو بناء صورة دقيقة للمشهد تقوم على الأدلة evidence-based. وهذا التحدي شديد المراس، باعتبار أن بناء صورة الواقع كما هو، هي الأرضية التي تقام عليها قواعد اتخاذ القرار. ولا بد من الاستدراك بالقول، إن تلك الصورة لن ترسم أبدا دون جمع ”الفتات“ المعلوماتي التفصيلي، ثم انطلاقا من صورة الواقع الراهن استخلاص الإجماليات والسمات. وهكذا، فالعقبة الكأداء هي ”الصورة“.

وبالقطع، فإن أعمارا أفنيت لتطوير تقنيات تعزز دعم القرار، وفق ”عدسات“ مجهرية تدخل في تفاصيل التفاصيل، و”عدسات“ شمولية تنظر إلى ”الصورة“ وما يحيط بها. وهذا ما أصبح رائجا تحت مسمى ”البيانات الضخمة“، فمن خلال تجاوز تحدي بناء ”الصورة“، أصبح في متناول متخذ القرار ”في الحكومة والقطاع الخاص والقطاع الثالث حتى الأفراد“ تحريك تفاصيل المشهد قربا وبعدا، فبوسعه أن ينظر إلى ربحية الشركة ”أو خسارتها“ مبتدئا برقم واحد، وأن يدخل عبر ذلك الرقم إلى عناصر المبيعات والتكاليف، وأن يعرج على الموردين والمخزون في المستودعات والبضائع الدرس المستفاد، ومن جهة أخرى، أن يخرج من إطار شركته إلى المنافسين في النشاط ذاته والحي أو المدينة ذاتها، ويستمر في أخذ منظور عن بعد لأوضاع تلك الصناعة في المملكة ككل أو حتى في الإقليم وفي أجزاء العالم أو حتى العالم كله. وليس من شك أن للتفاصيل أهمية كما للإجماليات، فهما متكاملان، ولن يغني أحدهما عن الآخر. ولن يغنيا هما الاثنان عن التحليل لاستخلاص خيارات المستقبل، في مسعى للتأهب للمخاطر أو للسعي لاغتنام الفرص. وهكذا، فالتأهب لمفترقات الطرق يكون بعدم غياب ”الصورة“ الحقيقية عن ناظريك أبدا.

رئيس مركز جواثا الاستشاري
مؤسس شركة وطن للاستثمار