آخر تحديث: 22 / 9 / 2020م - 10:10 ص  بتوقيت مكة المكرمة

خيرية الإنسان عند الإمام السجاد (ع)

ورد عن الإمام السجاد : «يا ابن ادم، إنك لا تزال بخير مادام لك واعظ من نفسك، وما كانت المحاسبة من همك، وما كان الخوف لك شعارا» «بحار الأنوار ج 67 ص 564».

النصيحة المقدمة من مؤتمن موثوق ومحب تعد تحفة غالية في قيمتها وجدواها، وذلك أن المرء مهما أوتي من قدرة تفكيرية وتنظيم لخطواته، فإنه لا يخرج عن إطار الخطأ والتقصير في كلماته ومواقفه وسلوكه، فيحتاج إلى إعادة ترتيب أوراقه وحساباته بحثا عن الخطأ أو وجه التقصير في عوامله وتداعياته والطرق لتصحيح الوضع وتعديل الأمور، والنصيحة أو النقد الإيجابي من ناصح أمين يساعد على كشف الصورة الشاملة بكل شفافية وصراحة بغية محو السقطة والهفوة، ولكن هناك درجات في الأهمية من المناصح وأعلاها هو المرء ذاته، وذلك أن التوجيهات والإرشادات مهما بلغت صوابيتها ومنطقيتها وجدواها فإنه تحتاج إلى مقبولية وقناعة وهمة لتطبيقها على أرض الواقع بلا تردد أو تسويف، فهناك من لا يرعي سمعا لما يقال له لأسباب متعددة، ومنها: السطحية في التفكير والعناد والتعالي وضعف إرادة التغيير وتحمل مسئوليته.

ويذكر الإمام السجاد وجها من أوجه الخيرية والصلاح والفلاح التي ينعم بها المرء ألا وهو امتلاك الواعظ من نفسه، حيث تمثل النفس الواعية عامل الضبط والتحكم في تصرفاته وإدراك تبعاتها، فإن ما يحفظه من السقوط في وحل الشهوات والمعاصي هو إدراك عظمة الله تعالى وسخطه عليه إن قارف الآثام وعكف عليها بلا توبة بنيل العقوبة يوم الحساب، وكذلك في مسيره التكاملي وتحقيق أهدافه يحتاج إلى مصوب في مسيرته لئلا يحيد عن الصواب، فهناك فيروسات تتسلل إلى النفس وتعطل حركته الخاضعة لعقله الرشيد ألا وهي الأهواء والسلوكيات الخاطئة التي تتحول إلى متلازمات عنده بسبب الاستمرار عليها بدون رادع، ولا يحميه من التعنت أو المزاجية أو ضعف الطموحات إلا النفس الواعظة والرادعة.

والوجه الثاني لخيرية الإنسان هي محاسبة نفسه على كل كلمة وفعل، فمن الأهمية بمكان لتقوية النفس في طريق اتخاذ الخطوات والقرارات الحاسمة أن يحاسب المرء نفسه ويقف أمام مرآتها؛ ليعرض عليها كافة خطواته ومساراتها حتى يتدارك أخطاءه ويصححها، فالنجاح الحقيقي لا يعني تحقيق الرغبات بنحو دائم، بل هو امتلاك القدرة على مواجهة النفس بزلاتها ومن ثم العمل على معالجتها، فمن لم يحاسب نفسه سيتوه في دروب الحياة ويوغل في طريق الضياع ويصعب عليه أن يجد نفسه فضلا عن معرفة نقاط ضعفه وأخطائه، ولذا نحتاج إلى تربية أولادنا على محاسبة النفس وجعلها مفردة في فكرهم وثقافتهم؛ لتعينهم في مواجهة ما يمرون به من منعطفات المشاكل والإخفاقات وارتكاب الأخطاء ومواجهة العيوب والرذائل، فإن الشخص القوي هو من يتحمل مسئولية وتبعات تصرفاته ويمتلك شجاعة لتدارك ما وقع فيه من أخطاء، فمن الضعف الذي اعترى الشباب اليوم هو تسلل اليأس سريعا بسبب السقوط في إحدى الحفر التي واجهها في طريق تحقيق آماله وتطلعاته، كما أن آخرين يجدون في التذرع وإبداء التبريرات أسلوبا في مواجهة أخطائهم، وآخر يتهرب من المسئولية كوسيلة في الابتعاد عن توجيه الانتقاد له.

والوجه الآخير لخيرية المرء هو اتصافه بالخشية من الله تعالى ورقابه ربه في كل ما يصدر منه قبل أن يقدم عليه، فيوازن ويتأمل تلك الخطوة ونتائجها مما يساعده على السير في سكة الصوابية، فليس هناك من عاصم للمرء من طريق النزوات كالخوف من الله تعالى واستحضار رقابته له في سره وعلنه، فالضبط الذاتي يشكل منعة وجدارية في شخصية المرء أقوى من كل طرق المراقبة الآلية لتصرفات وأفعال الناس، فذلك الطالب أو الموظف والفرد في المجتمع لا يمكننا تجنب نفسه الشريرة والعدوانية بمجرد وضع آلة الرقابة «الكاميرات السرية»، فإنها لن ترصد ما يخطط له وما يخفيه في نفسه من نوايا مخادعة وشيطانية، وما يحفظ الفرد والمجتمع من النزعة العدوانية هي ثقافة الخوف من المحاسبة الأخروية على ما يرتكبه في الحياة من منكرات وخطايا، كما أن تعزيز روح قوة الشخصية في التزام القيم الأخلاقية وتكامل النفس من خلالها، سيكون عاملا مهما في ارتداعه عن مقارفة ما يسقطه من عين خالقه والناس.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 1
1
محمد عبدالمحسن
[ الدمام ]: 14 / 9 / 2020م - 1:08 م
ورد في الأثر " كفى بالموت واعظاً " ....
الإنسان يعيش حالة صراع مع هذا النفس الأمارة بالسوء، يعمل ويعمل، فتارة يسلم، وتارة يقع في المحظور، لكن ينبغى للإنسان دائماً وضع الموت أمام عينه، الذي قد يدركه في أي لحظة، وهو قنطرة تنقله من دار الدنيا إلى الدار الآخرة، تنقله من دار العمل إلى دار المحاسبة..!!..