آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 7:11 م

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «46»

عبد العظيم شلي

للسينما بريقها وألقها على المستوى الحضاري والترويجي لكثير من الدول المهارة في هذه الصناعة، وتعتبر انعكاس لما تزخر به مجتمعاتها من رقي وأدب وعلم وفن. إنتاج أفلام تتوازع بين الأقطار والقارات ويمتد تأثيرها إلى شعوب وأمم، هي رسائل تشويق وتسلية وترفيه وأشياء مضمرة، إنها دراما تأسر العواطف وتتسلل بين المشاعر والأحاسيس، بعضها يشغل التفكير لما لها من سحر سينمائي وغواية فنية، أفلام تتربع بحضورها الوهاج على النفوس فتكسب تعاطفا جماهيريا لا يفارق المخيلة، وهناك إحصاءات لأفضل 100 فيلم في تاريخ السينما لاقت قبولا جماهيريا وتصنيفا من النقاد والمهتمين بالفن السابع.

بالنسبة لأفلام الحرب اتفق النقاد على أن فيلم ”القيامة الآن - Apocalypses Now“ هو الأفضل من بينهم، يأتي في المرتبة الأولى ويحتل مكانة كبيرة من بين أفلام الحرب.

إن كان هذا الفيلم الشهير انتصر جماهيريا وسينمائيا محققا الجوائز تلو الجوائز ويعد من الأفلام الملحمية الحربية ويقال أقوى وأفضل وأحسن فيلم عن حرب فيتنام، لكنه لن يعوض أبدا واقعا مؤلما من المآسي الإنسانية وخسران ملايين الدولارات وزهق آلاف الأرواح من كلا الجانبين في حرب أكلت الأخضر واليابس، بحجة أمريكية واهية «وقف انتشار الشيوعية»! وكما قيل: ”إن التهديد الشيوعي كان يستخدم كبش فداء لإخفاء النوايا الإمبريالية“.

إن كانت المظاهرات عمت أرجاء أمريكا في الفترة الماضية من هذا العام، بسبب ما حدث لمقتل «جورج فلويد» ففي أعوام الستينيات من القرن المنصرم خرجت مظاهرات مماثلة تندد بزج الجنود الأمريكيين في حرب فيتنام الخاسرة، وثمة شخصيات مؤثرة علت أصواتها ضد جرائم الحرب مثل الملاكم ”محمد على كلاي“، وقائد حركة النضال ضد العنصرية ”آرثر كينج“ وطبيب الأطفال الشهير ”بنيامين سبوك“، والمحاربين القدامى، وطلاب الجامعات وحركة السلم والهيبين وغيرهم من الجماعات البارزة، والشخصيات المؤثرة التي تقدمت الصفوف وقادت الجماهير الذين جابوا شوارع وميادين أمريكا وتكثفت احتجاجات مناهضة الحرب خلال أعوام 67,68,69 م، وقد أسمعت الحشود صراخها لمن يهمه الأمر، وحدهم الجنرالات والساسة أوغلوا في العناد ولم يسمعوا لصوت نداء العقل وكانت النتيجة بعد حرب ضروس سراب في سراب.

والأغرب بأن شهية هوليوود ظلت مفتوحة حول تقديم أفلام الحرب الفيتنامية وإلى الآن، والهدف من ذلك هو محاولات متتالية ومستمية لتضميد جراح أمريكا النازفة لحرب عبثية خاسرة، زينتها السينما بزيف وادعاء، ما أبشع السينما المتواطئة ظلما وعدوانا مع السياسة العمياء وما أقساها حينما تنحرف عن تقديم كل ما هو موضوعي وإنساني.

انسياقاتي البحثية في غمرة الأفلام وعلى مدى حلقات متعددة ولاسيما الأخيرة حيث وصل عددها اثنا عشر حلقة وانحصرت تحديدا حول حرب فيتنام وتداعياتها، كان المبتدأ في كل ذلك، تلك المقاربة الضمنية وأوجه التلاقي بين عنوان روايتي ”عيون الظلام“ و”قلب الظلام“ والأخيرة التي تحولت للفيلم بعنوان ”القيامة الآن“، وبعد الحفر في الذاكرة في اتجاهات مختلفة لتلك الحرب وما فعلته هوليود من تواطؤ فاضح مع العسكر وبغض النظر عن تباينات التحايل في طرح أفلامها من زمن لزمن، إلا أن الرؤية المخادعة عند صناع هوليود كانت ولم تزل واحدة وإن تلبست بعناوين شتى.

استقصاء درامي حربي استليته من حديث مسبق حول الروايتين المذكورتين والمتشابهتين اسما والمتقاربتين نهجا والمختلفتين عمقا، وهنا لا مجال للمقارنة بين الروايتين ”قلب الظلام“ و”عيون الظلام“ من الناحية الفنية، فقط لتبيان كيف يتحول الأدب مطية للذهنية الاستعمارية، بتزييف الحقائق، وتشييد أوهام التفوق.

إن رواية عيون الظلام «The Eyes of Darkness» - عنوان جاذب يحيلنا للتساؤل كيف يكون للظلام عيونا؟!، هنا يكمن ذكاء الكاتب لجذب القارئ، رواية مندرجة ضمن الخيال العلمي شكلا، لكنها بعيدة عن عمق الروايات المعتبرة، هي أشبه برواية مغامرات مشوقة، وبعيدة عن رصانة اللغة وجمال السرد، ولا تقارن حتى بالروايات التي تجنح للخيال المسرف في اللامعقول الذي يفوق الإدراك والتصور.

خلال كوفيد 19 تم استحضارها بشكل مستفيض ومطرد تعليقا وتشريحا وتفصيلا، وقد تم تصوير بعضا من صفحاتها وتم تداولها في مواقع الإنترنت، وذلك للاستدلال لما جاء فيها من تشابه مع واقعنا المرعب والخانق عن وباء اجتاح الدنيا دون رحمة، حدث زلزل كيان الإنسان لم يكن أبدا في الحسبان، لكن عقل مؤلف الرواية التآمري ”دين كونتز“ أدرك منذ 40 ما كان يصبوا إليه.