آخر تحديث: 7 / 8 / 2020م - 6:44 م  بتوقيت مكة المكرمة

مهما كتَبتَ لا تُعجَب

أمير أبو خمسين

كتب القاضي الفاضل عبد الرحيم البيساني برسالة إلى العماد الأصفهاني:

”إني رأيتُ أنه ما كَتب أحدُهم في يومِه كتابًا إلا قال في غدِه، لو غُيِّرَ هذا لكان أحسن، ولو زُيِّدَ ذاك لكان يُستَحسن، ولو قُدِّمَ هذا لكان أفضل، ولو تُرِكَ ذاك لكان أجمل، وهذا من أعظم العِبر، وهو دليلٌ على استيلاءِ النقصِ على جملةِ البشر“.

الكثير من الكتّاب لم يصل لمرحلة القمة إلا بعد مشقة وتعب كبيرين، أخذت الكتابة منهم الكثير من أوقاتهم وأجسادهم، وحياتهم الخاصة. فلم يألوا جهداً ولا وسيلة حتى وإن كانت على حساب أرواحهم إلا وقاموا ببذل المستحيل من أجل إنجاز ما بدأوه سواء في كتابة كتاب أو رواية أو موسوعة أو مقال وغيرها. هذا الشعور أو ما يسميه البعض هوس الكتابة لا يتوفر عند الكل، بل فئة قليلة يكون عندها هذا الشبق في الكتابة، خصوصا عندما تتحول الكتابة عند الشخص إلى عنصر رئيسي في شخصيته وكيانه وتجري في دمه.

فلا ريب أن كل كاتب ذو محاولة أدبية يتعامل مع ما يكتبه من فكر وأدب تعامل غير عادي فيسعى أن يكون رقيقا مع اللغة، يخرجها من العادية والإبتذال الى حالة من الرصانة والإتزان، لذلك ليس لأي أحد الوصاية على أيّة كتابة تخرج من أي كاتب أو مؤلف إلا الكاتب نفسه، أما رضا وتقييم الجمهور والمجتمع تجاه ما كتبه هذا المؤلف أو ذاك لا ينتهي، فمن المستحيل أن تجد إجماعا كليّا على كتاب أو مؤلف، ولن يحصل أي كاتب على هذا الإجماع نتيجة إختلاف مستويات الناس.. لذلك يقع الكثير من الكتاب نتيجة عدم قبولهم بالنقد أو التقييم من قبل الآخرين في حالة من العجب لما كتبوه، مما يؤدي إلى حالة من الغرور والإنفراد في الرأي حتى لو كان التقييم فيه من المصداقية لإيضاح الخلل فيما كتبه هذا المؤلف أو الكاتب. وهذه قناعة بعض الكتاب بأن الذين يجعلون أنفسهم اوصياء على الفكر أو الأدب والشعر فهم ينطلقون من روح سلبية ونفسية حاملة للغيرة، ومن هنا فكل إشارة سلبية الى اية كتابة فهي تقع في خانة اللاواقعية واللاموضوعية، لذلك نجد بعض مدارس النقد الحديثة تتجه نحو البحث عن الجمال في الأشياء دون التعرض إلى التقييم، بمعنى آخر يمكننا القول أنّ عصر التقييم والوصاية قد أنتهى وولّى من دون رجعة. والناقد الوصي قد مات دون حياة أخرى تحت أيّة ذريعة. إذن ما هو واقعي وموضوعي هو البحث عن النموذج والمثال والمهارة وليس التقييم والوصاية، وحينما نتحدث عن الإبداع والمبدع فلا يعني ذلك وضع معايير للكتابة بل يعني بالضبط بيان مستويات الكتابة وبيان الحالات النموذجية والمثالية وحالات المهارة سواء من جهة جودة الكتابة او من جهة نوعيتها. بمعنى آخر أن من وضيفة النقد ليس تقييم المحتوى بل البحث عن المحتوى الماهر والمتقدم والمضيف والمؤثر.

لذلك نجد البعض من الكتاب يرجع مرة أخرى لقراءة كتاباته والنظر فيها بروح الناقد من أجل تقييمها وإعادة صياغتها لسبب تغيّر بعض القناعات لدى الكاتب نفسه، حيث وجدنا كتاب لهم مؤلفات منذ زمن طويل، وعندما رجعوا إليها قاموا بإعادة كتابتها وصياغتها بأسلوب آخر ومحتوى يختلف عن سابقه. كلمة القاضي عبد الرحمن البيساني الموجهة إلى العماد الأصفهاني.. أكدت على أن كاتب الكتاب ورجوعه لمؤلفه بعد فترة من الزمن والنظر لكتابه من زاوية الناقد والسعي لتقييمه وإعادة كتابته من جديد أمر مستحسن ومفضّل.