آخر تحديث: 15 / 8 / 2020م - 1:38 ص  بتوقيت مكة المكرمة

كوريا الجنوبية والتنمية الاقتصادية!!!

حسين آل درويش

احتلّت الإمبراطورية اليابانية - شبه الجزيرة الكورية - وفرضت سيطرتها كاملة ً في عام 1906م، ولم تكتف بذلك الاحتلال بل سعت إلى إلغاء وجود كوريا كدولة مستقلة وطمس هويتها تمامًا، فأنشأت اليابان مكتب الحاكم العام في العاصمة الكورية «سيؤول»، ليتولى جميع الشؤون الداخلية والعلاقات الخارجية لكوريا.

استمرت معاناة الشعب الكوري مع الاحتلال الياباني حتى هزيمة اليابان في نهاية الحرب العالمية الثانية حيث انسحبت الأخيرة من كوريا عام 1945 م، ولكن حلم الاستقلال الذي راود الشعب الكوري في ذلك الحين، كان بعيد المنال، إذ سيطرت القوات الأمريكية على الجنوب وسّمي بكوريا الجنوبية، وسيطرت قوات الإتحاد السوفيتي السابق على الشمال وسّمي بكوريا الشمالية، فخاضت الكوريتان حربًا ضاريةً ً ضد بعضهما البعض في عام 1950م، حتى انتهت عام 1953م، وقتل فيها أكثر من خمسة ملايين إنسان، أكثر من نصفهم من المدنيين شكلوا «10 %» من مجموع سكان الكوريتين، وكانت نسبة الخسائر تلك أعلى من الخسائر المدنية في الحرب العالمية الثانية وحرب فيتنام، كما قتل في الحرب نحو أربعين ألفًا من العسكريين الأمريكيين وجرح فيها أكثر من مائة ألف منهم [1] .

وبعد توقيع - اتفاقية الهدنة - بدأت جمهورية كوريا الجنوبية بإعادة الإعمار والبناء، ما دمرته الحرب بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية، صنفت كوريا الجنوبية وقتها كواحدة من أفقر دول العالم، وأراضيها كانت بلا موارد طبيعية كبيرة، وشعبها أميٌّ لا يعرف القراءة أو الكتابة، «90%» من سكانها يعيشون على المعونات والمساعدات الأمريكية والدول الأجنبية، لا شيء يدعو للتفاؤل والأمل في تلك الفترة المأساوية والأيام السوداء، فما هو الحل الأفضل للخروج من تلك الأزمات والتحديات؟؟!

فكّر النظام الكوري الجنوبي بإحداث ثورتين وهي: الأولى «الإصلاح الزراعي»، الثانية والأهم «التطوير التعليمي»، ازدادت نسبة الالتحاق بالتعليم العالي «10 أضعاف»، «96%» من الأطفال يذهبون للمدارس والتعليم، وأصبحت لدى كوريا الجنوبية «قوة عاملة ومتعلمة» لم تحصد البلاد ثمرة الجهود بشكل سريع ولكن بخطوات تدريجية وبطيئة، فالزراعة لم تكن كافية لبناء ثروة، و«40 %» من سكان كانوا تحت خط الفقر، كان المجتمع الكوري الجنوبي آنذاك فقيرًا جدًا ومتخلفًا للغاية، وما يزال كبار السن يتذكرون تلك الأيام السوداء، أيام الجوع والفقر والحرمان وويلات الحرب الأهلية الكورية، ولكنها تحولت فعلًا مع مرور السنوات إلى دولة صناعية متقدمة ينظر إليها العالم باحترام وتقدير، فأصبحت تصدّر السيارات وتصنّع الناقلات والسفن وتصدّر الإلكترونيات وغيرها.

والعجيب في هذا الموضوع، أن التنمية الاقتصادية في كوريا الجنوبية، بدأت عام 1961م، نتيجة قيام مجموعة من الضباط والجنود الوطنيين بقيادة ”الجنرال السابق بارك تشونج هي“ بالاستيلاء على السلطة وتعديل الدستور الكوري، بحيث تركزت السلطة بيد رئيس الجمهورية، وهنا أطلق ”بارك تشونج هي“ حملة شاملة للتنمية الاقتصادية، تحت شعار ”تحديث كوريا“، وكانت خطة الجنرال الإستراتيجية للنهوض باقتصاد البلاد تعتمد على ستة محاور رئيسية نذكرها باختصار:

1 - التركيز: في بعض الصناعات الهامة وعدم التوسع بها، معلنًا: ”بأننا لن نكسب شيئًا إذا حاولنا أن نكسب كل شيء“، فكانت إستراتيجية تقضي باختيار بعض الصناعات ذات الميزة التنافسية بدقة متناهية، وجعلها تشكل ”أولويات التحول الصناعي“ بدءًا بصناعة النسيج.

2 - بناء القدرات: من خلال إبتعاث آلاف الطلاب من ذوي القدرات والكفاءات العالية إلى دول خارجية متطورة. لكسب المزيد من التأهيل في العلوم التقنية التطبيقية والتكنولوجية المتقدمة والصناعات التي يراد تطويرها، ولهذا فقد تم إرسال 5000 عامل منجم و2000 ممرض وموظف صحي إلى أوروبا واليابان والولايات المتحدة الأمريكية، لتدريبهم وزيادة مهاراتهم في الأعمال المطلوبة، ثم أنشئت جامعتان تقنيتان في البلاد.

3 - التحفيز: ويشمل منح المكافآت المالية والمعنوية والترقيات لمن ينجز أعماله بإتقان، ومعاقبة وفصل كل من يفشل في إنجاز عمله، وكان على خريجي الجامعات أن ينافسوا في الامتحان، من أجل التعيين في الحكومة أو في الشركات الكبرى، بعيدًا عن الواسطة والعلاقات المصلحية المضرة.

4 - إصلاح النظام التعليمي: من المعروف أن وراء كل نهضة اقتصادية واجتماعية نظاما تعليميًا فعّالًا وراقيًا، وهذا يتماشى مع الفلسفة الكورية التي تقول: ”بأن التعليم هو المفتاح الوحيد للنجاح في الحاضر والمستقبل“.

5 - إستراتيجية الهدف: الاتفاق بين الدولة والقطاع الخاص على تحقيق الهدف الوطني الأعلى، وهو أن تخرج كوريا الجنوبية من نطاق الدول النامية، وتلتحق بنادي الدول المتقدمة، ويتطلب هذا الاتفاق - توجيه المال - كله نحو الإنتاج الصناعي الاستراتيجي، وإتباع سياسة الادخار والتوفير من قبل الحكومة والشركات الخاصة الكبرى، فكان الولاء والتصميم، لتحقيق هذا الهدف يمثل الحلم الوطني الأول لكل قطاعات الشعب الكوري، ويجسد مقولة: ”الوطن فوق الجميع حكامًا ومحكومين“.

6 - مكافحة الفساد: أسند لوكالة المخابرات الوطنية مراقبة الأداء الوظيفي، والإبلاغ عن الفساد الإداري والمالي. لإيقاع العقوبة الرادعة على مرتكبيه، كما طلب من وسائل الإعلام أيضًا أداء نفس الدور، ومراقبة منتسبين الحكومة والشركات على حد سواء، إضافة لذلك فقد اتبعت سياسة جديدة، تسمح بإبقاء الموظفين الذين يتميزون بالأمانة وعفة اليد في الخدمة حتى بعد إحالتهم على التقاعد [2] .

وأخيرًا، استطاعت كوريا الجنوبية تحقيق ما يسمى «بالمعجزة الاقتصادية على نهر الهان كانج» وهو عبارة عن مجرى مائي يمر بوسط العاصمة الكورية ”سيؤول“ ويعج بالبعوض والذباب، وتنتشر على شواطئه بيوت الصفيح التي يسكنها الفقراء، ولكنّه تحول في عهد ”بارك تشونج هي“ إلى معلم سياحي يكتظ بالبنايات الحديثة وناطحات السحاب مغطاة بالرخام والزجاج، وبفضل نجاح جهود التنمية الاقتصادية، ارتفع مستوى معيشة الكوريين الجنوبيين وتزايدت أيضًا التطلعات والآمال نحو نظام سياسي ديمقراطي حر يواكب التطور الاقتصادي، واستمرت الحركة المطالبة بالديمقراطية والحرية في كوريا الجنوبية حتى تمكنت من إعادة تعديل الدستور عام 1987م، بحيث أصبح من حق الشعب الكوري انتخاب الرئيس في اقتراع مباشر، وفي عام 1992م، شهدت البلاد أول انتقال سلمي للسلطة وفقًا لصناديق الانتخابات واستمر هذا التوجه إلى اليوم [3] .

 

* لقراءة المزيد في هذا المجال، يمكنكم الرجوع إلى المصادر:

[1]  الإنترنيت: الموقع الإلكتروني www.elaph.com/amp.web.news»» موضوعه: كوريا 1950 - 1953: الحرب التي فتكت ب «5» ملايين إنسان.

[2]  الإنترنيت: الموقع الإلكتروني «www.maqar.com/archives» موضوعه: الجنرال ”بارك“ صانع المعجزة الكورية، بقلم: فريق ركن متقاعد موسى العدوان.

[3]  الإنترنيت: الموقع الإلكتروني «www.al-jazirah.com/ magazine» موضوعه: معجزة على نهر الهان كانج «1-3»، أعداد: أشرف البربري.