آخر تحديث: 15 / 8 / 2020م - 1:12 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تنبؤات درامية ام سينما متواطئة «33»

عبد العظيم شلي

يحمل فيلم ”القيامة الآن“ رسائل مزدوجة كما الرواية ”قلب الظلام“ الذي اعتمد على فكرتها ومضمونها بتصرف حر من قبل المخرج وكاتب السيناريو، مستعينين ايضا بمؤلف كتاب ”المراسلات“ وهي مذكرات الحرب الفيتنامية للكاتب الامريكي ”مايكل هير“ الذي كان مراسلا لمجلتين، فيتنام ونيويورك تايمز، خلال اعوام ”1967-1969“ والذي وصفه الروائي الامريكي ”جون لوكاريه“ بأنه افضل كتاب قرأته عن رجال الحرب في عصرنا "،

هذه الخلطة المبنية بين واقع ومتخيل اعطت للفيلم زخما وبعدا اعمق، ومختلفا عن كل افلام الحروب، فرواية ”قلب الظلام“ لجوزيف كونراد، سطورها تؤازر الاستعمار واخرى بالضد، ودراما فيلم ”القيامة الآن“ تستعرض سطوة الحرب وعنفوانها وتنتقدها بعبارات لاذعة، وتظل الرؤية العامة للفيلم تمجيد للسيادة الأمريكية وتأكيد على متانة قوتها الضاربة وابراز بسالة الجنود، وإن ظفر المشاهد ببعض اللقطات الناقدة للحرب لكنها ذر الرماد في العيون، وحسب مخرج العمل ”فرانسيس كوبولا“ الذي يبرر رؤيته المزدوجة ”يمكن اعتبار الفيلم مناهض للحرب، لكنه أكثر كذبة حقيقية أن الثقافة يمكن تكذب حول مايحدث بالفعل في الحرب، إن الناس يتعرضون للوحشية والقتل والتعذيب، وعرضت بطريقة ما هذا العمل على أنه اخلاقي هو مايرعبني ويديم امكانية الحرب“.

إن من تقنيات الفن السينمائي الخدع البصرية، وهي امور فنية تثري العمل وينتهجها كل مخرج، لكن حين يعمد لتغيير الحقائق وتزييف الواقع أي خداع يقوم به؟ قد يكون المخرج ليس مؤمنا بذلك وهو محكوم بارادة الجهة المنتجة وهنا مربط الفرس، ومن هي ياترى؟ إنها شركات انتاج فنية بعضها تابع للاستخبارات الامريكية، كل يلعب لعبته وبريق المال سيد الموقف، لكن الشركة المنتجة لفيلم ”القيامة الآن“ هي ”أمريكا زوتريب“ او ”استوديوهات زوتريب“ والقائم عليها هو ذاته مخرج العمل ”فرانسيس كوبولا“! اذا هي شركة خاصة وكان بالإمكان أن يكون بعيدا عن املاءات اي جهة منتجة، فتبريره المزدوج عن فيلمه ليس مقنعا.

لكن لو عمل المخرج دون السائد لأفلام الحرب الامريكية الموجهة والمؤدلجة لما استطاع تسويق عمله ولما حصل القبول عليه رسميا ونخبويا، والأهم حسابات شباك التذاكر فوق كل اعتبار.

لقد اطلق النقاد على فيلم ”القيامة الآن“ ”تحفة فنية من عصر هوليوود الجديدة“ والمخرج ساهم في اقوى الافلام الهوليودية مثل الفيلم الشهير ”العراب“ و”غاتسبي العظيم“ و”وصانع المطر“ وغيرها من الافلام التي شكلت فواصل في عالم السينما،

”كوبولا يعتبر شخصية مركزية في حركة صناعة أفلام هوليوود الجديدة في الستينات والسبعينات، ويعتبر على نطاق واسع واحد من اعظم صانعي الأفلام في كل العصور“

اذا هو احد صناع هوليوود المتميزين والمخلص لسياستها ونهجها المخفي والمعلن.

كم شوه التاريخ بصرة من فضة وذهب، وتلاعبت به الأمزجة والأهواء، اذا كانت الأحداث المعاصرة تم التلاعب بها وعلى مرأى ومسمع من الجميع فما بالنا بالتاريخ القديم الذي عاثت فيه تنابلة السلاطين، ومشتري الذمم، والأنكى ليس بريق المال من يحدد مداد كتابة التاريخ، بل السيف المسلط على الرقاب، فيحرف الكلم عن مواضعه، وعلى أثر ذلك كم تشرذمت أمم، وتحاربت شعوب وقبائل، الناطقون بلغة الضاد لم يسلموا من الهوى، أوغلوا قدحا في قلب مواقع النجوم ، وأسرفوا في هتك أوراق المتون.

هناك طائفة من الأفلام المؤدلجة القائمة على الزيف والخداع وبجملة مصرية مشهورة ”المخرج عاوز كده“ ليس دائما بل الجهة التي تقف خلف المخرج هي من تريد وتملي عليه وصاياها بأهداف ظاهرية ومبطنة.

وهنا ليس التمثيل وحده في الميدان، كثيرا مايتم التلاعب بالوقائع باسم الدين والرؤية المسيسة، هذا لاينفي بأن السينما تترجم انعكاسات الحياة وبأن اعمالا مقدرة ومتفق على صدقها وحسن توجهها، لكن كثير منها حافلة بالمغالطات والادعاء وخصوصا افلام الحروب، يقول وودي ألن ”إن الحياة شديدة العبثية، وإن الأفلام تشتتنا عن حقائق الحياة القاسية“ هل الدراما تظللنا؟

سؤال حائر وليس بحائر في ظل اعتبار الأفلام واجهة وطنية وسلاح قومي، كما الحال في الدراما الهوليودية وغيرها. لقد اعتبر نقاد السينما فيلم ”القيامة الآن“ من اصدق وافضل واروع افلام هوليوود عن حرب فيتنام، طبعا من وجهة نظر امريكية واوروبية وايضا شبه بملحمة حربية.

إن براعة الفيلم المليء بالدهشة ومتعة المشاهدة هو تلميع لصورة الحرب وابراز قدرات الجندي الامريكي الخارقة التي لاتقهر ولا تذل، وادل على ذلك تم عرض الفيلم داخل اروقة البيت الابيض سنة 1979، بحضور النخبة السياسية يتقدمهم الرئيس الامريكي

”جيمي كارتر“ وقد اعجب بالفيلم ايما اعجاب مثنيا على طاقم العمل وروعة الاخراج!.

ولحظوة الفيلم عند الجيش الامريكي كان يعرض أمام الجنود المتوجهين لغزو العراق لبث روح الحماس لديهم ووضعهم في أجواء الحرب!.

ابداع فن يبهرنا وحدود رؤيانا مرايا الإعجاب ضمن حدود الإطار، وخلف المرايا انعكاسات ومقاصد لانراها.