آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «32»

عبد العظيم شلي

رواية ”عيون الظلام - 1981“ للكاتب الامريكي دين كونتز، سوقت اعلاميا خلال الشهور الماضية على نطاق واسع أكثر من أي رواية أخرى، وعرفها القاصي والداني، وحتى الذي ليس له علاقة بعالم الروايات عرف عنها.

أصبح عنوانها متداولا على كل لسان لأن حكايتها قورنت بما يحدث للعالم الآن، وقد سارعت دور نشر في عدة دول لترجمتها بلغات عدة، ولم تترجم للعربية في كتاب مطبوع مستقل لكن يوجد لها ترجمة صوتية حديثة في احد المواقع العربية، وهي مرفوعة على قناة اليوتيوب باللغة الانجليزية صوتيا منذ بداية 2018.

حقيقة رواية ”عيون الظلام“ مثيرة للشك والريبة والاهتمام وعنوانها يسترعي الانتباه ويستدعي رواية قديمة صدرت قبلها ب 80 عام اسمها ”قلب الظلام“ للروائي البريطاني الشهير جوزيف كونراد - الصادرة سنة 1899، رواية تدور احداثها في قلب افريقيا، رائعة في سردها، وشكلت مفصلا في عالم الرواية الحديثة وقد تأثر بها روائيين كثر ومنهم عرب، لكنها تمثل ازدواجية في سرد حكايتها، تارة مع المستعمر واخرى ضده، وايضا محملة بعنصرية مقيتة ونظرة فوقية اتجاه الانسان الافريقي والتي اتهمته بالتخلف والهمجية.

وقد اعتبر نصها من ضمن روائع الأدب الانجليزي.

رواية كونراد لم تغفل عنها هوليوود فقد استلهمت فكرتها واخذت بعضا من جوانبها، في فيلم سينمائي اطلقت عليه ”Apocalypse Now القيامة الآن - 1979“ فيلم حربي بإمتياز استبدل مكان الرواية من دولة الكونغو حيث مسرح الحدث يدور في اعالي النهر، من اجل تجارة العاج الى دولة فيتنام، نحو ارض ملغومة بالمخاطر والهلاك بين الدماء وتضاريس الأرض الوعرة والدمار، وذلك تجميلا لغزو الجيش الامريكي ضد بلد اسيوي فقير ومعدم الا من الشجاعة وقوة البأس، صراع ايدلوجيات لحرب اشتعلت منذ 1955 وانطفأ اوارها 1975، عشرون عاما من المعارك الطاحنة بين الادغال والاحراش والبحار والانهار وحرب العصابات، قصف عنيف كرش المطر بقنابل النابلم التي كانت تشوي لحوم الفقراء وهم يتصارخون في العراء، القتها أم الديمقراطية المزعومة بجيوشها الجرارة والمزلزلة بعنف وصخب وقسوة، استعراض قوة تفوق الخيال بلاهوادة ولارحمة، جنرالات ورتب عسكرية طوت الاف الأميال، اتت غازية لتقاتل قوات الشمال الشعبية الفيتنامية المتبنية للفكر والعقيدة الشيوعية!.

حرب شرسة ومروعة ودامية ترجمتها السينما بالكيفية التي يراها كل طرف.

مشاهد من فيلم ”القيامة الآن“ تدمي القلب لصور مرعبة، لكن الواقع أكثر فظاعة ومرارة، وعبارات مجانين الحرب في الفيلم يختصرها كلمة ذلك الجندي الامريكي المهووس بالقتل والفتك وهو يتبجح امام زملائه الجدد، وبعد ان افرغت طائرتهما الحربية حممها على مجاميع الشجر والبشر، يوجه كلامه لاحدهم وهو واقف على ضفاف شاطئ البحر ”هل تشم هذا النابلم، لاشيء في العالم رائحة كهذا، احب رائحة النابلم في الصباح، اتدري ذات مرة فجرنا تلا لمدة 12 ساعة“؟!،

وخارج دراما الفيلم لم تكن ”الحرب الهندوصينية“ نزهة بل جحيما وقيامة. إن هذيان القوة والغطرسة والغرور لآلة حربية ظن اصحابها بأنها لاتقهر، ومابين كر وفر تآكلت في نهاية المطاف.

لقد مرغ الفيتناميون انف الغازي المحتل وكل من وقف معه، غاصوا في وحل ارض نبذت كل مستعمر، وكل من اصطف عدوانا في تلك الحرب العبثية. انتصر الجندي الفيتنامي المؤمن بعدالة قضيته دفاعا عن أرضه برغم انقسام الشعب بين شمال وجنوب، بين اكثرية مقاومة وجزء متعاون مع المحتل، والذي تخلى عنهم وفر هاربا بعد أن سقطت ”سايغون“ ورفعت رايات النصر وسط جررة اذيال الخيبة الأمريكية، ولم تزل تلك الراية الحمراء خفاقة في سماء فيتنام الى اليوم.

إن حرب فيتنام مهلكة مدمرة بكل المقاييس اشتركت فيها عدة دول بالدعم والعتاد والرجال والخطط، خلفت ”مليون قتيل فيتنامي، مقابل ستين الف امريكي“، إن انتصار فيتنام لم يكن سهلا بل مكلفا وباهظ الثمن على جميع المستويات.

لقد ذلت امريكا في حربها الخاسرة وتحطمت نفوس جنودها وباتوا في الحضيض، وقد اصيب كثير منهم باكتئاب وامراض نفسية والمخدرات كانت الملجأ لهم من كوابيس الهزيمة. عندها اصبحت امريكا مصابة بعقدة اسمها ”عقدة فيتنام“ تبددت نوعا ما في حروب الشرق الاوسط المستحدثة ”غزو العراق وافغانستان“.

حربان شنتهما امريكا في بداية الالفية الثالثة على بلدين منهكين من الحروب تحت ذريعة محاربة الارهاب الاسلامي، خداع لم يكن خافيا على احد.

بالأمس جير ساسة امريكا الجهاد الاسلامي بكل حمولته العقائدية، لمحاربة الغزو السوفيتي لافغانستان - 1979، حشد من رجال وشبان من اقطار العرب اندفعوا تضحية من اجل الحمية عن دار المسلمين البعيدة متناسين القريبة، ثم اصبحوا وقودا لمحرقة ارض الافغان باسم محاربة الشيوعية والنصر للاسلام، وبعد ان قدموا أرواحهم ودمائهم فداء للمول الامريكي وحين استشعر بأن صلاحيتهم انتهت، اجهز عليهم وعلى ماتبقى من رماد المحرقة.

من يطالع ”فيلم رامبو -3“ وهو يناصر الافغان ضد السوفيت زمن الثمانينات وقت اشتداد اوار المعارك، يظن جازما بأنه جاء لنصرة المظلوم واغاثة الملهوف ولا يخالجه شك في ذلك، هكذا دراما الفيلم كانت تقول، والظن عند القوم أكبر فقد اسبغوا على رامبو كرامة الابطال لأنه ناصر جهاد الافغان ورافعا راية الاسلام، بعد أن تلفظ معهم بعبارة لا يحسن نطقها ”إن شاء الله“ وهو يخوض معاركه العنترية الكرتونية ويخلصهم من قبضة الغزاة، بل الأيمان بقضيتهم تنضح من رسالة الفيلم التي انطلت على الجميع، وبتأكيد مطلق عند نهاية الفيلم كتبت جملة تقول ”هذا الفيلم مهداة إلى الابطال الشجعان في افغانستان“!.

ولكن هؤلاء التي اعتبرتهم شجعانا بعد عقد ونيف استدارة عليهم آلة الحرب الامريكية، واحتلت ارضهم بدلا من السوفيت ونكلت بهم اشد تنكيل، وهنا انطفأ صوت الجهاد المزعوم.

والادهى والامر ذات السينما التي هللت بالامس للثوار سخرت من العرب والمسلمين اثناء الغزو الامريكي لارض افغانستان والعراق، وتعالت اصوات فضفاضة اتهمت هوليوود وشركات الانتاج الامريكية بالتظليل والأكاذيب والخداع.

عجبا لانتفاضة فضفاضة ضد رسم كاريكاتوري قيل بأنه مسيء، بينما سينما هوليوود قدمت ماهو افضع واشنع من تلك الخطوط العابرة، ولم يرتفع ضدها صوت أو شكوى، لأنها بكل بساطة هوليوود علامة مسجلة امريكية.

فم مغلق وسط تصفيق حار باحمرار اليدين بصدى لا يسمع.