آخر تحديث: 27 / 11 / 2020م - 2:04 ص

تنبؤات درامية أم سينما متواطئة «25»

عبد العظيم شلي

أحداث فيلم عدوى CONTAGION تتزاحم عند مفترق طرق، بين البقاء والإنطفاء، بين ذروة ضجيج اليأس والسعي المستميت، استنفار لاستباق الوقت للهروب من سفر الرحيل، عقول لا تكف عن البحث والتفكير ليل نهار، غير عابئة بالمخاطر، أن تعمل والموت هواء يتنفس هو التحدي الأكبر، ضمائر حية نذرت أرواحها لإنقاذ الأنفس البشرية من الهلاك.

ثمة بارقة أمل تلوح ومضا في نهاية النفق الخانق فناء، يطل نورا من المختبرات العلمية، مراوحة تنذر بقرب التوصل للدواء، اشتغال حثيث مكّن الدكتورة ”هيكستال“ بعد أن القت نظرة على عينات في مختبرات التحاليل، واقتنصت عيناها بريق سحر بالقبض على زجاجة من ”لقاح رقم 57“ وهي ترمق قردة مسجونة في قفص، تأمل نحو لغز لكنز ليس بمدفون، وكأنها اهتدت إلى سرّ عظيم، وبعد بحث تمكنت من صنع اللقاح المحتمل، وحتى تختصر عملية الاختبارات الطويلة تحقن نفسها أولا كحالة تجريبية، ثم تخرج من المعمل الكيميائي بطمأنينة عالية، تقود سيارتها سارحة بغبطة وسعادة، تترجل وتزور والدها الراقد على السرير الأبيض وهو الطبيب المعالج في ذات المستشفى، متعب بسبب اصابته بعدوى المرض، وتقول له ”أتذكر د. بيري مارشل، يعتقد أن البكتيريا تسبب القرحة لا الاجهاد، أصاب نفسه ثم عالج نفسه، لقد علمتني عنه، أنا أجرب لقاحي“ رد عليها ”كلا هذا يختلف، لا أريد أن أصيبك بالمرض آلي، لا يمكنك خوض تلك المجازفة“ تجاوبه وتلامس يده بحنان من دون لبس قفازة أو كمام ”أبي أنت هنا لأنك بقيت في عيادتك، تعالج المرضى، حينما عاد الجميع لبيته، خضت تلك المجازفة كل يوم“ دمعت عيناه وأصدر ضحكة مكبوتة وقال ”ربح جائزة نوبل“، ”أجل، أعلم يا أبي، بيري مارشل“ طبعت على جبينه قبلة وغادرت المكان بفرحة عارمة وابتسام.

صوت نسوي يصدح في الأرجاء يعلن عن نجاعة التجربة ”إدارة الدواء والغذاء سرّعت الموافقة على لقاح MEV - 1، الذي يصنع حاليا بخمسة مواقع سرية في الولايات المتحدة واوروبا، يقال أن الجرعة البشرية ستكون متوفرة للإستخدام البشري خلال 90 يوما، منظمة الصحة العالمية تقدّر أنه قد يأخذ سنة كاملة للتصنيع وتوزيع الكمية الكافية من اللقاح، لإيقاف انتشار الفيروس الذي قضى حتى الآن على 26 مليون شخص عالميا، ولكن في حين تعمل المختبرات على مدار الساعة لتوفير معادلة إنقاذ الحياة، السؤال يبقى من سيحصل عليه أولا“.

ولعدم كفاية كمية اللقاحات يمنح مركز السيطرة على الأمراض التطعيمات من خلال يا نصيب قائم على تاريخ الميلاد. وبدأت مصانع الدواء تنتج أعداد ضخمة من اللقاحات وتشحن في كونتينرات لتوزيعها بيعا على العالم، والاشارة المقلقة التي تقول ”من يحصل عليها أولا“؟!.

بحلول اليوم 26 وصل عدد القتلى 2,5 مليون في امريكا، حيث استغرق اكتشاف اللقاح وانتاجه وتوصيله حتى يوم 133 واستمرت اللقاحات حتى يوم 500.

وباء درامي اجتاح العالم وقضى الفايروس على ما ورد في الفيلم على 26 مليون انسان من بلدان مختلفة.

هل بالغ فيلم CONTAGION المحسوب ضمن الخيال العلمي بأعداد الموتى؟ ومن شاهده وقت صدوره 2011 سيدهش من الرقم ويقول هذا مجرد خيال مفرط ومبالغات تهويلية لا أساس لها من الصحة على أرض الواقع.

ها هو الواقع يخبرنا عن المفجع والمرعب والمقلق، مرض فتك بصحة الأجساد فتكا جماعيا في حاضرنا المازوم بوباء كورونا الذي كورنا خوفا بدهشة الأرقام الذي بلغت لحد هذا اليوم 4,397,546 مصاب وبلغ عدد الوفيات 295,971 في مختلف أنحاء العالم، نسبة مرعبة، وأرقام تتزايد وتتضاعف على مدار الساعة وإلى كم ستصل؟ الله وحده يعلم إلى أي مدى ستبلغه الأرقام.

كل القلوب المحبة للانسانية لا تتمنى أن تتصاعد أرقام الوباء كما حصل في دراما الفيلم. كل يتمنى أن ترحل هذه الجائحة في أقرب فرصة، عيون تتنظر بارقة الأمل بفارغ الصبر، متى يأتي الدواء؟. وآخر خبر - روسيا تعلن عن ”نتائج مبشرة“ لتجارب على عقار جديد -.

فيلم عدوى حاز على إعجاب كثير من العلماء لدقته العلمية، وطلبت جامعة كولومبيا من نجوم الفيلم في هذه الأيام العصيبة أن يرشدواالناس نحو الارشادات الصحية، وحثهم على تطبيق طرق الوقاية تجنبا لعدوى كورونا. هل دار بخلد أبطال الفيلم أن يعيشوا العدوى واقعا؟ مابين التمثيل والواقع أحيانا تختلط الأمور، هل نحن سائرون نحو دراما خفية!، فيلم عدوى نقل عدوى المشاهدة لطلب غير مسبوق متصدرا كل الأفلام التي صورت مآسي الأوبئة، وقد صور في كل من الولايات المتحدة الامريكية وسويسرا والهند والصين.

ومن يتسنى له مشاهدة الفيلم البالغ زمنه ساعة و46 دقيقة سيدهش من نهايته، حيث ختم المخرج ”ستيفن سودر بيرغ“ فيلمه بمشهد يدل على من هو المسبب الحقيقي لإنتشار هذا المرض الغريب، والذي جاء نتيجة قضمة خفاش لفاكهة سقطت أرضا والتهمها خنزير، يشتريه مطعم صيني ويقوم طباخ صيني بسلخه وبدون أن يغسل يديه طلبته السيدة بث امهوف - لتلتقط معاه صورة للذكرى، صافحها بكل مودة وسرور، والنبض ينذر بالمجهول، ابتسامة أُنثوية عطرة اختلطت مع روائح الطبخ والتوابل، بهجة مرتسمة على المحيا، تلك يد خشنة ملوثة قامت بدورها المهلك، ويد ناعمة تلبستها العدوى، وبعد أيام ذبل الجسد النحيف كورقة خريف وغادرت الحياة، نحيب الزوج تجدد حسرة بعد أن عرف السر في النهاية عبر تصفح صور كاميرا زوجته الراحلة وهو يكبت بكاؤه عن ابنته التي تستعد بزفاف الفرح.

إنها مصافحة لامست أيدٍ، وأيدٍ استقبلت أخرى وتحايا ايدٍ توزعت لمسات وهمسات على الكفوف، ومن هنا عرف سبب انتشار الفيروس المميت، ومن غير أن يطرح طوال مسار وأحداث الفيلم.

أية مصادفة لفيلم درامي مُثّل عام 2011 يصور وقوع مكان منشأ الفيروس الذي تحول الى وباء اجتاح العالم بصورة مرعبة ومخيفة، أبعد 9 سنوات يحدث واقعا معاشا. بل كابوسا مميتا، يضج مضاجع شعوب الأرض كافة بلا استثناء، ويشل حركة الناس، وكأن كل واحد يقول نفسي نفسي، أنفسٌ فتك بها الفيروس القادم من أين؟ من صين الفيلم أم صين الواقع، ما هذا التماهي والتطابق!. أنطلب الحقيقة من خيال كاتب الفيلم وواضع السيناريو والحوار ”سكوت زي بيرنز“ أم نفتش عن طهاة الحيوانات الغريبة في سوق ووهان الصينية الذي أُعلن منها انتشار المرض، ليعلموننا ما هي الحقيقة؟

هل كان فلم CONTAGION أوقد على نار هادئة وأصبح الآن حربا من غير حرب؟ أهي حرب مستترة من الطبيعة أم من أيد بشر. تكثرالظنون وتتلون وسائل المكر، وفي النهاية تبقى عقلية الإستهداف واحدة، ضد من؟ ضد سكان الأرض الأبرياء.