آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 4:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

حينما يصبح الديكٌ دجاجة!

في الستينات من القرنِ الماضي كان في بيتنا حظيرةٌ صغيرة، فيها دجاجاتٌ وديكة، وبالطبع جاءنا من الدجاجاتِ البيضُ ولحمُ فراخ الدجاج في زمن الشح. نظام الديك والدجاجة كان فيه منفافع كبيرة لنا وكثيرٌ من الازعاج، وكان أولَّ درسٍ لي تقريباً في عالمِ التسنم والارتقاء في ملأ الدورِ والمسئوولية.

في نهايات الخريف وفي الشتاء يطول الليل ويهدأ الفجر، إلا من صراخ من يحمل العرف فوق رقبته ”الديك“ وينشر ريشاً حول مؤخرته. كانت الدجاجات أقلَّ ضوضاءً وأكثرَ صمتاً وحكمةً وعملاً من الديكة. مجمل حكمة الديك هي في صياحه بعد حوالي خمسة أشهر من عمره، يصيح دون توقف وبعض الديكة تصيح مراتٍ في اليوم. أما الدجاجة فهي التي تضع البيضَ وتجمعه وتنام فوق لمةٍ منه ليفقس بعد أيام عن عددٍ من الصيصان. تجري الصيصان أياماً تحت عناية أمها التي تصبح عدائيةً وتحميها من غوغائية المتطفلين، فعندما نخيف الصيصان تنفش الدجاجةُ ريشها وتجري خلفنا حتى نرتدعَ عما نهم القيام به. ومع أنَّ أعمال ومهمات الديك لم تكن كثيرة لكنها كانت هامة في عالمه الصغير، فهو في صياحه يخيف ويطرد الشياطين الكبار، يقف على الحائط ويصيح عندما تأتي القطط والفئران لتسرق الفراخ من القن.

يختل هذا النظام سريعاً عندما يستأنس بعض الديكة لحكمة الدجاجة ويتخلى عن كبرياءه ونفخ ريشه، ولا يصيح أبداً. ونتيجةً لانقلاب الديكِ إلى دجاجة تفقد الحياة نكهتها وتصاب الحبيبةُ بالهجران. أما نحن فينقطع عنا تموين البيض والصيصان التي سوف تكون فراخ المستقبل! حتماً سوف يختل مجمل نظام الكون لو أخذت الشمس دور القمر، وأخذ القمر دور الشمس، أو تخلى أحدُ الكوكبين واستقال من مهماته التي يترتب عليها ويقوم فوقها استقرارٌ أكبر منهما وهو الكونُ والحياة.

كثيرٌ من مهمات الحياة ليست مهماتٌ تشريفية، لكنها مسؤوليات تكليفية ينتج عنها منافع كبيرة. ربما تتقاطع هذه الأدوار والمهمات ولكنها تبقى من مهام من تكلف بها، فلن يستطيع الديك أن يقوم بعملِ الدجاجة ولا الدجاجة بعمل الديك لأن كلاهما مخلوقٌ مختلف وإن تشابه!

مستشار أعلى هندسة بترول