آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 1:09 ص  بتوقيت مكة المكرمة

قراءة في كتاب «المسألة الثقافية.. من أجل بناء نظرية في الثقافة» للمفكر زكي الميلاد

جهينة الإخبارية سمية غريب - الجزائر

يعد كتاب «المسألة الثقافية.. من أجل بناء نظرية في الثقافة» للمفكر زكي الميلاد الذي صدرت طبعته الثالثة في الجزائر، من الكتب القيمة في مجاله، ويستحق تسليط الضوء عليه والتذكير به لعنايته بالتفكير والتنظير لبناء نظرية في الثقافة، وقليلة هي المؤلفات العربية التي اعتنت بهذه القضية، وقدمت جهدا مميزا.

يحتوي الكتاب على ثمانية فصول جاءت بعناوين قيمة وعناصر مهمة، تطرقت إلى علائق الثقافة بالحضارة والدين والأنثروبولوجيا والمجتمع والسياسة، بحثا عن جوانب الاتصال من جهة، وجوانب الانفصال من جهة أخرى، سعيا لما يريد المؤلف الوصول إليه في بناء نظرية في الثقافة.

الفصل الأول من الكتاب جاء بعنوان: «هل توجد لدينا نظرية في الثقافة؟»، ناقش ثلاثة محاور أساسية هي:

1 - الثقافة وعملية بناء المفهوم.

2 - ابن خلدون والثقافة.

3 - نحن وعصرنا والثقافة.

وحتى نتقدم على طريق بناء نظرية في الثقافة، يرى زكي الميلاد بأننا مالم نتخلص من إحساسنا بالقصور وبعقدة النقص ومن ذهنية التبعية والتقليد، فلن نظهر ثقة وشجاعة في التعبير عن أفكارنا وفي التعامل معها. وبإمكاننا أن نكتشف لأنفسنا فكرة عن الثقافة انطلاقا من منظومتنا الإسلامية إذا نحن بذلنا جهدا معرفيا وتواصلنا مع هذا الجهد بطريقة بنائية وتراكمية، وتعاملنا معه بثقة عالية، وبخلفية الإصرار على الاكتشاف، والتمسك بنزعة استقلالية تتخلص من التبعية والتقليد.

أما الفصل الثاني فتناول «مشكلة الثقافة.. قراءة في نظرية مالك بن نبي»، وناقش المحاور التالية:

1 - مالك بن نبي وفكرة الثقافة.

2 - التحليل النفسي للثقافة.

3 - التركيب النفسي للثقافة.

4 - الثقافة بين العلم والحضارة.

5 - الثقافة تعريف ومفهوم.

6 - إلى أين وصلت نظرية الثقافة عند ابن نبي؟

حاول الميلاد في هذا الفصل التأكيد على أهمية نظرية مالك بن نبي في الثقافة، قائلا: ما زال العالم العربي وفي نطاق الفكر الإسلامي بوجه خاص، يفتقد إلى نظريات في الثقافة يمكن لها أن تنازع أو تزاحم أو تحل مكان نظرية ابن نبي في الثقافة، ومن بعد ابن نبي لم تظهر نظرية في الثقافة تنتمي إلى المنظومة الإسلامية، الأمر الذي يكشف عن ضعف شديد ينبغي العمل على تداركه والتغلب عليه من خلال مضاعفة الاهتمام بحقل الدراسات الثقافية وبحقل العلوم الإنسانية والاجتماعية.

في الفصل الثالث تطرق الكتاب إلى «الثقافة والحضارة.. قراءة في نظرية علي عزت بيجوفيتش» وناقش المحاور التالية:

1 - الإسلام بين الشرق والغرب.

2 - الثقافة والحضارة.

3 - الثقافة والدين.

4 - حكمة النظرية.

5 - ملاحظات ونقد.

يرى المفكر الميلاد أن نظرية بيجوفيتش واحدة من النظريات التي حاولت أن تقدم فكرة حول الثقافة والحضارة، وتحرك نقاشا وجدلا في هذا الشأن الذي هيمن عليه قدر كبير من الجمود والسكون، وأن تلفت النظر إلى فكرة مغايرة بعض الشيء لما كان سائدا في هذا المجال. وتنتمي هذه النظرية إلى نسق التفكير الإسلامي النسق الذي لم يعرف عنه انخراطه الواسع والعميق في النقاشات الدائرة حول هذا الموضوع لا أقل في الفترة المعاصرة، فقد بقي هذا الحقل لزمن طويل تهيمن عليه الأفكار والنظريات الغربية بحكم اهتمامها بدراسة تاريخ الحضارات والتاريخ الإنساني بصورة عامة.

أما الفصل الرابع فتطرق إلى «الثقافة والدين.. قراءة في نظرية توماس إليوت» وناقش المحاور التالية:

1 - إليوت ونظرية الثقافة والدين.

2 - مكونات النظرية وأبعادها.

3 - النظرية وأرضياتها الفكرية والموضوعية.

4 - مابعد النظرية تقدم أم تراجع؟

5 - نقد النظرية ملاحظات في المنهج.

6 - الثقافة والدين من منظور إسلامي.

وحول هذه القضية يرى الميلاد أن حاجة الثقافة إلى الدين هي حاجة مستمرة مهما ارتقت هذه الثقافة إلى مستويات عالية، ومهما كانت طبيعة هذه الثقافة وخصوصيتها، فهي ليست حاجة خاصة للثقافة التي يمكن وصفها بالبدائية، وإنما هي حاجة الثقافة بما هي ثقافة، ولهذا فإن الثقافة لا يمكن أن تكون بديلا عن الدين.

وجاء الفصل الخامس وتناول «الثقافة والأنثروبولوجيا.. قراءة في نظريات الأنثروبولوجيين» وتطرق فيه إلى المحاور التالية:

1 - الثقافة والأنثروبولوجيا.

2 - تايلور وتعريف الثقافة.

3 - ماذا أضافت الأنتروبولوجيا إلى الثقافة؟

4 - ملاحظات ونقد.

يقول زكي الميلاد أن المقصود بالمعنى العام للثقافة أن الأنتروبولوجيا تدمج كل شيء بالثقافة من الدين إلى المعرفة والاقتصاد والأخلاق والسياسة والفن والعرف والقانون، ولا تكاد تترك شيئا خارجا عنها وهو المعنى الذي ظهر متجليا في تعريف تايلور للثقافة، التعريف الذي ساهم بقوة في تشكيل فكرة الأنتروبولوجيا للثقافة وقد أدى هذا المعنى الأنتروبولوجي للثقافة وظيفته وكان مهما ولافتا في وقته، وبقيت له وظيفته الخاصة التي تتحدد في نطاق الأنتروبولوجيا.

من جانب آخر يرى زكي الميلاد أنه يمكن وصف النظرة الثقافية التي شكلتها الأنتروبولوجيا عن المجتمعات البدائية على أنها نظرة متعالية وفوقية، وتنتهي إلى تأكيد وجود مجتمعات بدائية ومجتمعات أخرى متقدمة وترسخ الشرخ الفاصل بينهما، لهذا فإن أمام الأنتروبولوجيا مهمة أخلاقية هي تغيير مثل هذه السمعة.

وتناول الفصل السادس «الثقافة والسياسة.. تجليات العلاقة وأنماطها» وتطرق فيه إلى المحاور التالية:

1 - هل توجد نظرية في العلاقة بين الثقافة والسياسة؟

2 - الثقافة والسياسة وتجليات العلاقة.

3 - الثقافة والسياسة وأنماط العلاقة.

4 - الثقافة كنقد للسياسة والسياسة كنقد للثقافة.

5 - الثقافة السياسية والسياسة الثقافية.

عن هذه القضية يقول زكي الميلاد: الحقيقة أن الثقافة لا يمكن أن تكون بديلا عن السياسة، وأن السياسة ستظل في حاجة إلى الثقافة، ومن الصحيح أيضا القول أن السياسة بمفردها لا تستطيع معالجة مشكلات الأمم ولا بد من معاضدة الثقافة.

وجاء الفصل السابع بعنوان «الثقافة والمجتمع.. نظريات وأبعاد» وناقش المحاور التالية:

1 - الثقافة والمجتمع وبناء المفاهيم.

2 - الثقافة والمجتمع في رؤية رايموند وليامز.

3 - نظرية القابلية الاجتماعية والثقافية للنمو.

4 - الثقافة والمجتمع وأبعاد العلاقة.

يرى المفكر زكي الميلاد - تأكيدا لما يقوله علماء الاجتماع - أن الثقافة هي من أكثر العوامل تأثيرا على المجتمع بحكم أن كل شيء في المجتمع يتأثر بالثقافة، كمنظومة القيم والفنون الجمالية ونظام المعتقدات ومناهج التفكير وهندسة العلاقات الاجتماعية... إلى غير ذلك.

ويضيف الميلاد: لقد أصبح الاعتقاد أن الثقافة إذا تغيرت تغير معها المجتمع، وكل تغيير يمس الثقافة مهما كانت كميته ونوعيته يتأثر به المجتمع سلبا أو إيجابا تراجعا أو تقدما.

كما يؤكد المفكر الميلاد أن ليس من السهولة التأثير في الثقافة إذ يحتاج التأثير فيها إلى طاقة كبيرة وفاعلية مستمرة، وهناك أكثر من طريقة للتأثير في الثقافة، فتارة يكون التأثير فيها عن طريق اللغة وهذا ما سعى إليه الفرنسيون للتأثير في ثقافات المجتمعات التي استعمروها، وتارة يكون التأثير في الثقافة عن طريق التعليم ومناهج التعليم، وتارة عن طريق الإعلام ووسائل الاتصال... إلى غير ذلك، وفي تاريخ المجتمعات نجد أن أكثر الناس تأثيرا في الثقافة هم أعمق الناس تأثيرا في مجتمعاتهم.

وتطرق في الفصل الثامن إلى موضوع مثل لب الكتاب جاء بعنوان «في سبيل بناء نظرية للثقافة» وتناول فيه العناصر التالية:

1 - منطق الاجتهاد وفكرة الثقافة.

2 - القرآن وفكرة الثقافة.

3 - اللغة العربية وفكرة الثقافة.

4 - الفقه وفكرة الثقافة.

5 - علم العمران وفكرة الثقافة.

وحول علم العمران يرى زكي الميلاد أننا بحاجة إلى التراث الاجتماعي الذي خلفه لنا ابن خلدون وغيره ليكون جزءا أساسيا من السياق التاريخي الذي نتتبع فيه التأمل والتفكير لفكرة الثقافة من جهة، ولاختبار هذه الفكرة من جهة أخرى، حتى نقلب الثقافة على اختلاف دلالاتها ومعانيها وتعدّد فلسفتها وحكمتها إلى أن نصل للمعنى المركب الجامع لكل هذه المعاني والدلالات.

وختم الكاتب الكتاب بخاتمه تحت عنوان: «من تعريف الثقافة إلى فلسفة الثقافة»،

اعتبر المفكر زكي الميلاد أن فلسفة الثقافة هي سبيلنا إلى الاستقلال الثقافي، الاستقلال الذي لا يمكن بدونه أن ننهض حضاريا، لأن الحضارات لا تنهض إلا بثقافاتها ومن داخل تراثها وبعجلة تاريخها وعلى أساس الانتظام في هويتها وبدون القطيعة أو الانقطاع عن الثقافات الأخرى أو عن التراث الإنساني وإنما على أساس التواصل مع هذه الثقافات والانفتاح على التراث الإنساني. والقاعدة أن الحضارات لا تنهض وتتقدم بثقافة من خارجها أو بتراث غيرها ولهذا فإن العالم الإسلامي لا يمكن أن ينهض بثقافة غير الثقافة الإسلامية، والأمم والمجتمعات التي نهضت بغير ثقافتهالم تنهض بهذه الثقافات إلا بعد أن أصبحت في منزلة ثقافاتها، وبعد ذلك استطاعت النهوض بهذه المجتمعات. ومن خلال فلسفة الثقافة نفهم منطق العلاقات بين الثقافات ونفهم بالتالي طبيعة الحدود التي تفصل بين ثقافتنا والثقافات الأخرى، وهذا الذي يقودنا إلى الاستقلال الثقافي.