آخر تحديث: 25 / 1 / 2020م - 11:21 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الأيادي الخفية

في هذهِ الأيام التي ترتاح فيها الطبيعةُ والناسُ من قساوةِ الحر زرعتُ بعضَ النباتات، فمنْ منَّا ليس له علاقة بالأرضِ التي هي أمُّنا، منها جئنا، تشبعنا وتروينا، نبني فوقها ونعمرها وتضمَّ رفاتنا. بقي الحَبُّ الذي وضعته أول مرةٍ أياماً ثم نما ضعيفاً مصفراً ليس له قابلية الحياة. ولأنَّ دورةَ اعتدال الطقس قصيرة فلم أنتظر طويلاً وزرعتُ مكاناً آخر، تأكدتُ فيه من جودةِ الأرض. وبالفعل نما الزرعُ مخضراً يزداد في زينته وجماله كلَّ يوم.

لابد أن ”البيئة“ كانت في مثابةِ اليدِ الخفية من أرضٍ وماء وسماد، وهواء، كل شيء ما عدا الحب الذي لم يكن مختلفاً كانت السببَ المباشر في ضياع جهدي، فبعدما صلحت البيئةُ صلح الزرعُ التي خرج منها. هذه اليد الخفية هي ذاتها التي تكون خلف كل فردٍ منا إما تدفعه للأمامِ فيتقدم أو تقذفه من فوقِ قمةِ الجبل إلى عمقِ الوادي ويموت. نحن الذين نخلقها، ونصنعها ونعطيها مقوماتِ النجاح والفشل ونجعلها إما طاردةً أو جامعةً نافعة. فكما لا زرعَ ينبت في أرضٍ غير قابلةٍ للزرع فيها فلن ينجحَ إنسانٌ في بيئةٍ لا تعينه على النجاح، فقط لأنه امتلكَ إرادةَ النجاح دون أن تعينه الأيادي الخفية!

تطير الطائرةُ الصغيرة بسهولةٍ في ضفافِ قوةِ دفعِ طائرةٍ اكبر منها، ويرتاح الطيرُ لقوة الدفع التي توفرها الطيور الأخرى حين تطير أسراباً، وتُسرع السمكة حين تسبح مع الأسماك. إذاً، يُخطأ من يظن أن إنساناً ما يحصل له ما يريد من تحليقٍ في عالمِ الإنجازات بجهدٍ فردي دون أيادٍ خفية. في واقع الحياة كلنا نحتاج تلك البيئة، ونحن من يعنينا أن نصنعها، هي تحتاجنا ونحن لا نستغني عنها. فإن كنا لا نستطيع ولا نجد القدرةَ أن نؤثرَ في مساحاتٍ كبيرة فلن نعدم استطاعة التأثير في مساحاتٍ صغيرة يهمنا زراعتها والعناية بأمرها بالدرجةِ الاولى.

العزيمة والإرادة ليست سوى طائر قوي أو أسد هزبر فلن يطير الطائر القوي بعيداً دون البقية، ولن يصطاد الأسدُ الهزبر الطرائدَ السمان منفرداً، فكيف إذا نُصبت لهم الفخاخ!؟ من المؤكد أنه سوف تنعدم الحياة التي كانت منبسطةً وسهلة في ربى الجماعة المتكاتفة. في العصور التي فاضت بيئةُ الإنسان إيجاباً أثمرت الإنسانيةُ عصوراً من النهضةِ في الفلسفة والشعر والأدب وعلوم الفلك وفي كل ما استطاع الفردُ أن يصل إليه. وعندما صارت بواراً لازمها عصورٌ وأزمنةٌ من التخلفِ والانحطاط الفردي والجماعي والإنساني.

لم تكن أبداً ”البيئة“ تعني الرخاوةَ والدلال، فليس أبلغ مما قال الإمامُ علي : ”ألا وإنَّ الشجرةَ البرية أصلب عودا، والروائع الخضرة أرق جلودا، والنباتاتُ البرية أقوى وقودا وأبطأ خمودا!“، لكنها تعني إزالةَ موانع وأشواك الطريق التي لا يستطيع نزعها الفردُ دون اجتماع الأيادي من حوله...

مستشار أعلى هندسة بترول