آخر تحديث: 25 / 1 / 2020م - 11:33 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الحقيقةُ أم الطريقة؟

لم توجد الحاسبات الآلية المتطورة بعدُ في أوائلِ الثمانينات فكان هناك نوعان من الفلسفةِ في امتحانِ الطالب للتأكد من فهمهِ المادة واجتيازها. كانت محاولات الإجابة على المسائلِ الرياضية تتطلب كثيراً من الخربشاتِ على الورق بأقلامِ الرص ونسخها لاحقاً على ورقةِ الإجابة، فأحد الأساتذة كان يطلب منا الإجابةَ النهائية دونَ الإكتراثِ بالطريقة وكيف توصل الطالبُ لها. لم يكن يعطي أيةَ درجةٍ على أي جهدٍ أو محاولة للوصول للجواب النهائي أو إذا كان الجوابُ ناقصاً في شيءٍ ما. والثاني كان يعطي الجزءَ الأكبر من الدرجةِ لمحاولات التوصل للجواب وإن كانت الطريقة فيها إبداع لم نكن نخسر إلا جزءً صغيراً من الدرجةِ النهائية.

وجهة نظر الأول كانت عبارة عن ”وجدتها“، وهي النقطة التي ينط عندها المبدعُ والمفكر والمخترع والفيلسوف وغيرهم فرحاً بالنتيجة على أنه توصلَ لحقيقةِ الحقائق التي لم يستطع غيره ولن يستطيع أحدٌ بعده الوصول لها أو يتجاوزها. والثاني كانت نظريته هي أن نبلَ الإنسانِ وتفوقه ليسَ في الوصول للحقائق بل في كيفية الوصولِ إليها وكميةِ الجهد المبذول والعَرَق المُسال لبلوغها. ويعتقد أن القليلَ في الكون عبارة عن حقائق ثابتة وأن ما اعتقدناه بالأمسِ حقيقةً علميةً أو غيرها لم يعد كذلك وما نعتقده اليوم حقيقةً سوف ينفيها الغد.

من يراقب تطور الحياة في كل نواحيها يرى أن من اتبع طريقة أستاذي الأول في المنافسة فاته كثيرٌ من المتعةِ والربح، فالخوف والحذر لدى الإنسان يجب أن يكون عند نقطة ”الركود“، حين يعتقد أن المنافس غير قادرٍ على اللحاقِ به والتفوق عليه. أما الثاني فقد وضع همته في السعي الحثيث وترك مسافة أمانِ ”المتحاربين“، إذ قبلَ أن يستكين للراحةِ والخمول يتحرك نحو القمةِ والخطة التي بعدها.

كم من نظريةٍ كونية وحقيقةٍ علمية ومقولةٍ فلسفية سادت قروناً ثم انتفت؟ ولم يكن السبب في انتفائها إلا اعتقاد الإنسان وإصراره على عدم ثبات أي حقيقةٍ ما دامت قابلة للنقض. وكم رأينا من منتجٍ فكري واقتصادي كان يعد الأمثل والأجود رأى إنسانٌ ثغرةً فيه للمنافسةِ وتسلل منها وأحالها سلعةً بائرة؟!

اجتمعت الطريقةُ والحقيقة معاً حين شكَّ ملك سيراكوس في أن الصائغَ الذي صنع له التاج قد غشه، حيث أدخل في التاج نحاساً بدلاً من الذهب الخالص، وطلب من أرخميدس أن يعرف الحقيقةَ دون إتلاف التاج. وعندما كان أرخميدس يغتسل في حمامٍ عام، لاحظ أن منسوبَ الماء ارتفع عندما انغمس في الماء وأن للماءِ دفعٌ على جسمه من أسفل إلى أعلى، فخرج في الشارع يجري ويصيح ”وجدتها وجدتها“، لأنه عرف أن هذا الاكتشاف سيحل المعضلة. وقد تحقق أرخميدس من أن جسده أصبح أخف وزناً عندما نزل في الماء، وأن الانخفاضَ في وزنه يساوي وزنَ الماء المزاح الذي أزاحه، وتحقق أيضاً من أنَّ حجمَ الماء المزاح يساوي حجم الجسم المغمور. وعندئذٍ تيقن من إمكانية أن يعرف مكوناتِ التاج دون أن يتلفه؛ وذلك بغمرهِ في الماء، فحجم الماء المزاح بغمر التاج فيه لا بد أن يساوي حجم الماء المزاح بغمر وزن ذهبٍ خالص مساوٍ لوزنِ التاج. وكانت النتيجة أن فقد الصائغُ رأسه بسبب هذه النظرية ووضع أرخميدس قاعدته الشهيرة المسماة قاعدة أرخميدس والتي بني عليها قاعدةَ الطفو فيما بعد.

مستشار أعلى هندسة بترول