آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 4:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

أنا أفهمك!

كلمتان نسمعهما مراتٍ كلَّ يوم دونَ أن تتجاوزا صوانَ آذننا، عندما يقول إنسانٌ لآخر: أنا أفهمك!

في زمنِ ما قبلَ السيارة والانقلاب الاقتصادي كان في جزيرتنا حظائر كثيرة، على الأغلبِ في كلِّ واحدةٍ حمارة وبقرة. من النادرِ أن يقتني أصحابها حماراً أو ثوراً لأن الذكورَ لم تكن تنفع في شيءٍ سوى النهيق والعض ومقارعةَ الذكور الأخرى والجريَ خلفَ الإِناث. كان عندنا واحدةٌ منها وبالفعل كان فيها حمارة وبقرة. يأتي الشتاء وبين تقلب ساعاتِ الليل والنهار تتغير ساعاتُ مد وجزر البحر، فوالدي رحمه الله لم يكن لديه ساعة سوى الساعة التي تقول له إنَّ البحرَ والرزق ينتظرانك. يهب والدي من النومِ كلَّ ليلةٍ في وقتٍ متأخر وعندما يدفع بابَ الحظيرة المصنوع من جريد النخيل تسمع الحمارةُ صريرَ الباب، تتمطى وتمد أذنيها نحو الأسفل في خضوعٍ وتقف على قوائمها الأربع كأنها تحيي والدي تحيةَ الفهمِ التام والطاعة.

ترتخي قليلاً لكي يسرجها ويضع فوقها العربة، ثم ينط عليها ويلكزها لكزةً في الخلف فتأخذه نحو البحر، قاموسُ كلماتٍ وإشاراتٍ متواضع كان كل ما يحتاجه للتواصل معها وفهم كل منهما الآخر. ينام البحار في الطريق وتتابع الحمارةُ السير ولا تقف إلا في عرضِ البحر عندما تصل مبتغاها وهكذا تكون العودة للدار. رحلةُ المساء لا تختلف كثيراً في ذهنِ الحمارة فهي فلا تخطئ الطريقَ في الوصول نحو الحقلِ والنخيل والعودة للدار وتحاشي عوائقَ الطريق بكلِّ جدارة.

علاقة البحار والفلاح بالأتان أثبتت علاقةَ بعض الحيوان وفهمه بعضَ الإنسان. أما العكس فكانَ في آخرِ ما قاله الفيلسوف الألماني فريدريك نيتشه ”أنا أفهمك“، قالها وهو يصرخ هلعاً يطوّق بذراعيه رقبة حصانٍ مظلوم كان يضربه الحوذي بلا رحمة في تورينو عام 1889 ميلادي. كانت آخر كلمتين قالهما قبلَ الدخول في مرحلة الجنون، التي أمضى فيها عشرَ سنواتٍ من عمره القصير الثمين صامتاً تدريجياً حتى وفاته.

إذا كان بعض الحيوان يفهم بعض الإنسان والعكس صحيح، فلم يبقَ إلا نستنتجَ من العلاقة أن بعضَ الإنسان يفهم بعضه ولم يكن زمان يفهمَ كلُّ الإنسان كلَّ الإنسان لكي أصدقك وأنت تصدقني عندما نقول: أنا أفهمك.

مستشار أعلى هندسة بترول