آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

من داخلِ الكهف

كم هو محزنٌ حينَ لاحظتُ أنني لازلتُ أعيش في كهفِ السنين. مضى زمني وأتى زمنٌ تغير فيه كلُّ شيء ولا زلتُ أحتفظ بورقي أريد أن أشتريَ به خبزاً الآنَ من مدينةٍ أنا غريبٌ عنها. لم أدرك أن تفكيرَ العالم كله تغير ولم تَعُد أفكاري تنفع! وجدتُ نفسي كلما رأيت شاباً أمطرته بسيلٍ من الأسئلةِ المبرمة: كم عمرك؟ في أي مدرسةٍ أو جامعةٍ أو تخصص تدرس؟ ماذا تعمل ومتى تتزوج؟ في كلِّ إجابة إما أفرح لأنها طابقت معاييرَ النجاح التي أحطتُ نفسي بسياجها أو أقدم له النصائحَ التي لا يعير لها اهتماماً لأنها من جيلٍ لم يعرفه ولن يعيشَ فيه، معايير أضحت باليةً وتحتاج إلى تجديد.

لا يزال في اعتقادي أن للنجاحِ سكة معلومة وعليها يسير قطارٌ لا يأتي في العمرِ إلا مرةً واحدة، عليك أن تتحزمَ وتركض خلفه وإن فاتك فليس سوى أن تقبعَ في البيتِ وتموت. ولا يزال النجاح والمستقبل في عقلي أن تكون مهندساً أو طبيباً أو مدرساً ولا شيئ سوى هؤلاءِ العظماء الذين عرفتهم منذ أن كنتُ شاباً. وفي محاولةِ استكشافِ الضوءِ خارجَ كهفِ السنين سألتُ نفسي: هل فعلاً للنجاحِ مقاييس متعارفٌ عليها في كلِّ زمانٍ ومكان، ولابد للناجحِ أن يتبعها ويكملها كما يأخذ المريضُ المضاداتِ الحيوية وإلا ماتَ بسبب المرض، وهل النجاح فعلاً قطار يمر على سكةٍ مرسومةٍ مرةً في العمرِ وبعدها لا شيء؟

في الحقيقةِ ليس هناكَ الآن من وصفةٍ متعارف عليها للنجاحِ سوى الجد فيما ترغب في الوصولِ إليه والسيرَ الحثيث نحو الهدف الذي اخترت. تنوعت واختلفت الأهدافُ والطرق فلا تخصص واحد ولا طريقة واحدة فقط توصلنا للنجاح بل أصبح الطريقُ طرقاً والتخصص تخصصات. ثم ليس من قطارٍ واحد في هذا العصر الحديث، بل هي سكةٌ متواصلة مليئة بالقاطراتِ البشرية تحمل من يشاء حيث يشاء، فإن مرت قاطرةٌ أو امتلأت فهناكَ أخرى قادمةٌ بعدها بقليل.

نزرع في أذهانِ أبناءنا وبناتنا مساراً واحداً اعتدناه وعقدنا عزمنا أنه يوصلهم للأمانِ الوظيفي والإقتصادي والمعرفي فإذا ما فشلوا في الوصولِ إليه اعتبروا أنفسهم فشلوا في كلِّ شيء، بينما من الأجدى أن نزرعَ في أذهانهم الجد والنشاطَ والتخطيطَ السليم حتى إذا جاء اختيارهم لهدفٍ من بينِ الأهداف كان وصولهم إليه أقلَّ كلفة، ومن الأجدى أن نزرعَ في عقولهم أن كلَّ خطوةٍ يخطونها نحو الأمام هي نجاحٌ في حدِّ ذاتها سواءً أكملوا الطريق، أوغيروه، أم تعثرت أقدامهم.

تعرج الطريق نحو النجاح والتفافه اليوم أضافَ للمسافرينَ في الحياةِ متعةَ تغير المناظر والمشاهد لكن التعرج يقتضي سرعةَ الإلتفاف وتغيير المسار لكي نصل للهدف المنشود. كما يقتضي الإستيقاظَ ومعرفة نقاط قوة وضعف الجاذبية والطرد المركزي للمنحنيات لكي لا نفقد توازننا ونتوقف عن المسير. نحن نسير في أفرد وأمتع رحلةٍ تستحق أن نرسمَ لها خارطةَ سيرٍ تليق بجمالها وتجددها. هي هبةٌ الخالقِ لنا وكلً ما نملك!

مستشار أعلى هندسة بترول