آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 9:30 ص  بتوقيت مكة المكرمة

تسليع الثقافة

فاطمة صادق الخليفة *

ما من مطلع على الثقافة كمعنى ومنهج إلا وقد لحظ تباين النظريات في تحديد ماهيتها، واختلاف المدارس بتعدد اتجاهاتها في تحديد مفهومها؛ لذلك اختلفت تعاريف الثقافة بإختلاف الزاوية التي ينظر منها إلى الموضوع. بقي تصور الثقافة في عصر النهضة على أنها مجموع ثمرات الفكر في ميادين الفن والفلسفة والعلم والقانون، بينما في مطلع القرن التاسع عشر في أوربا انطلقت فكرة الثقافة لتشمل الإنسانيات الإغرقية اللاتينية، وتجاوز معناها ليضم ما أنتجته قرائح الفكر الكلاسيكي من أعمال أدبية ونحى بشكل أوسع ليشمل ثقافات المجتمعات البدائية التي كرَس «ليفي بيرل» دراساته في صددها. بينما منذ مطلع القرن العشرين لمع مفهوم الثقافة على واقع السلوك الإجتماعي نتيجة تطور النظام الصناعي والنظريات المستحدثة والإبتكارات المتلاحقة على كافة الأصعدة السياسية والإقتصادية.

يرى وليام أوجبرن أن تغير الثقافة على امتداد العصوريبدأ في مجال الأشياء والأدوات ثم يمتد بتأثيره ليشمل الجانب الإجتماعي. فزوال الشيء أو الأداة مرتبط بزوال الفكرة وبالتالي تقويض أساسها كثقافة. ونحن باعتبارنا كل من «الأخبار، والبرامج التليفزيونية، والموسيقى، والأفلام، ومختلف الأطروحات الفكرية التي أضفت على العالم تقدمًا تكنولوجيًا ملموسًا» أدوات ثقافية أسهمت في تشكيل الإطار القيمي للمجتمعات، وبتفاوت آثار السلب والإيجاب التي خلفتها هذه الأدوات، إلا أن جعل هذه الأدوات سلعة وبضاعة يتحكم بها فئة من البشر المهووسين بحب المال، بعملهم على إضعاف المبادىء الأصيلة، ومخالفة الذوق العام فيما يقدم بدعوى الحداثة أمر له عواقب وخيمة بتمهيده لتقبل الأفكارالهزيلة والقيم الهشة قيستسيغها المجتمع تدريجيًا حتى تتجذر في سلوكه ومنطقه.

إن عصر تسليع الثقافة يتطلب توافرالناقد العارف، وهوشخصية ذات تكوين معرفي حقيقي وبناء ثقافي رصين، قد يكون من الصعب مواجهة ثقافة عصر اتفقت ميول وأذواق أفراده على الإنغماس في عالم الثقافة الإستهلاكية الجديدة، لكن ذلك لا يعني تعطيل دور المثقف الحقيقي الناقد في تحديد مسارات المعالجة لأي قضية تمس ثقافة المجتمع وطرح الحلول المناسبة لها، إن توافر فئة من المثقفين الحقيقين ليس معدومًا وإن قل، حتى في حال تم تجاهل أصواتهم في عصر تعالت فيه أصوات نقد أخرى المتمثلة في المثقف الأيدولوجي الذي يوجه نقده لكل ما هو خارج فضائه وبعيد عن أيدلوجيته، والمثقف الشعبوي الباحث عن التصفيق وانتزاع إعجاب الجماهير.

يستدعي تواجد المثقف العارف في عصر تم إستغلال أدواته الثقافية، وتم تمكينها بشكل فيه من الإستغفال لأفراد المجتمع لإستساغة كل ماهو غريب مشوب بغايات مضللة، يستلزم دوره بأن ينأى بمجتمعه عن أي استبداد يصير الثقافة سلعة هابطة تدمر أفراده، ويذود بكل ما استطاع أن يدفع عن مجتمعه أي تواطىءٍ قد يضعفه.

مؤلفة لكتاب: من يفهمك؟