آخر تحديث: 4 / 8 / 2020م - 4:02 ص  بتوقيت مكة المكرمة

المشكوُّ والشَاكي

اشتريتُ صباحَ اليوم صُرَّةَ بقلٍ ومع أنه كانت في ساعاتِ الصباحِ الأولى إلا أنَّ وريقاتِ البقلِ كادت تذبل. تذمرتُ واستكثرتُ ثمنَ الوريقاتِ الذابلة لأنني اعتدتُ أن أعطيَ رأياً في كلِّ شيءٍ تقريباً، فقالَ البائع: وهل بقيَ شيءٌ في الدنيا أرخصَ من هذهِ الوريقاتِ التي تتهمها زوراً بالذبول؟ بعدما تركت بائعَ البقلِ سرحتُ بعيداً ووجدت الإجابةَ. الآن تذكرتُ ما هي أرخص بضاعةٍ منذ ظهورِ البشر التي كلما ازدادَ سعرُ وثمن البقلِ وكل الأشياءِ الأخرى تبقى هذه البضاعة تعاكس الارتفاعَ ويصيبها الكساد، إنها الفكرُ والكتاب! صار الفكرُ والكتاب يشتكي من الخذلانِ ورخصِ الثمن.

لكن مهلاً أيها الشاكي، أليسَ بعض أو جل كتابِ اليوم هو أغلى من وريقاتِ البقل الذابلة؟ هو وريقاتٌ مزخرفةٌ وملونةٌ وفاخرةُ الطباعة لكن صرة البقلِ أكثر فائدةً منه وأصحَّ للجسمِ من وريقاته على الفكر. وريقاتُ البقلِ إن لم تسمن ولم تغنِ الجسمَ من جوعٍ فهي لن تضرهُ في نهايةِ المطاف، أما وريقات الفكر فهي تتسلل أحياناً للداخل وتصيب الفكرَ في مقتل، ذلك الجزء من الإنسان الذي يتسابق للسيطرةِ عليه كل من يستطيع، الكتاب والكاتب والحاكي وكل من يستطيع الوصولَ إليه ويملأه قبل أن يملأهُ غيره. لا سيما إذا كان في اسمِ الكاتب مقدمات تدل على أنه باحثٌ ومفكر وغيرها من الصفات الفكرية.

تسلل الهزالُ إلى كتابِ اليومِ فأصبح في حجمِ صرةِ البقلِ يربطها حبلٌ وثيق ويثقلها حتى يحسب من يشتريها أنها ثقيلةٌ في الميزانِ بينما هي تكاد تطير لولا الحبل، هكذا الكتاب وريقاتٌ فارغةٌ من الكتابةِ والمضمون بين غلافٍ جميل متقن، بخلافِ ما كان الكتاب عليه من عشراتِ المجلدات لا يحتاج من يملكه سواه. يقضى الكاتبُ في إخراجه سنواتِ عمره بحثاً وتحقيقاً وسَفَراً ونقاشاً وجدالاً حتى يَقول للناسِ هذا كتابي اقرأوه، وينتهي العمرُ قبل أن ينتهي الكتاب. ومن ثم يرحل الناسُ إليه من كلِّ حدبٍ وصوبٍ يستعيرونه وينسخونه ويوثقونه في دورةٍ من الجهد المضني كي يلد الجهدُ وليداً آخر وهكذا دواليك.

أيها الشاكي إن كنتَ فعلاً تريد أن تعودَ وريقاتك أثمن فلابد أن يكونَ فيها ما يغري المشتري، ابدأ بمقاربةِ جودة وندرة صرة البقل التي يتضاعف ثمنها في فصلِ الصيف مع أنها لسيت في أحسنِ أحوالها ولا يشتريها إلا القليل، ثم في اعتدالِ الجو حين تسمن صرةُ البقلِ ويشتد عودها وتزداد خضرةً يرخص ثمنها ويشتريها الكثير. من هنا حتى يعود إليكَ زبائنُ الفكرِ وتعود أنت أيها الكتاب أغلى من كلِّ شيء، وينعم بالرضا المشكوُّ والشاكي.

كان من يشتري الكتاب يجمع ثمنَ قُوتِه وقوتَ عياله سنةً كاملةً أو أكثر ويقول للكِتاب: عذراً لكَ لقلةِ الوفاء. والآنَ لو اصطفَّ بائع كتاب وبائع بقلٍ لقال المشتري: أشتري هذا أم هذا؟!

مستشار أعلى هندسة بترول