آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

صديقي الذي لم أستطع إنقاذه

رائدة السبع * صحيفة الرأي السعودي

ككل خميس، وكما عودتنا عليه في لقاءاتنا العائلية، نحضر الْيَوْمَ وقد أصبحنا أكثر عددًا بأصدقائك ومحبيك، الذين ما برحت تذكرهم لنا بنوادرهم وذكرياتك معهم، حتى أصبحنا نعرفهم تمام المعرفة، ونستشعر حضورهم معنا بأرواحهم في جميع لقاءاتنا الأسبوعية، الفارق في هذا الخميس، أنهم حضروا هنا في هذه القاعة بأرواحهم وأجسادهم وروحك هي التي نستحضرها حتى يكتمل الجمع وتشاركنا فرحة اللقاء، أليس هذا ما تريده دائمًا وتصر عليه في حضورنا جميعًا نهاية كل أسبوع؟.

‏‎بك يا «عمو» أصبحنا نشقى ونسعد بالخميس، فأول دخول لك إلى المستشفى وبداية نوبة مرضك الأخيرة كانت يوم خميس، وفي يوم خميس آخر توقف نبض قلبك.

نعم، كنت حينها أرقب الشاشة بوجل واستغراب، فكيف لهذا القلب الكبير والذي كان بحجم مجرة أن يتوقف ويغفل عن قلوب محبة تدور في فلكه وتتلمس الدفء من وهجه ورعايته؟.

‏‎أعرف أنك ستقول لي الآن إن حديث الحزن والشجى لا يليق بخميسنا هذا وكل خميس، وأن في الحياة مكامن أخرى للخير وللجمال والفرح علينا الاهتمام بها فقط.

‏‎عمو «حسن» إن الحزن أكبر مني لكنه أصغر من أن لا أنفذ رغبتك، ولتعذر ضعفي وعدم مقدرتي على وقف سيل الذكريات الهادر الذي يعصف بي ويملؤ جميع أحاسيسي وعاطفتي.

‏‎فقد رافقتك في فرحك، أمسياتك الجميلة.

‏‎ عمو، صديقي، بابا، الأب الروحي:

‏‎ تمر تفاصيلك الجميلة ليس كشريط سينمائي، إنما لحظات أعيشها بالفعل، فها أنت تضحك كطفل وتشاغب أحد أطفالنا لتجعله يبتسم، وها هي يدك أشعر بسخونتها وأنت تخبئ هاتفي المحمول في جيبك كي أصغي لك ولا أنشغل بغير أحاديثنا، منحتني شرف تقاسم أفكارك ومشروعاتك الثقافية التي كنت أتابعها بشغف وخوف في آن واحد، شغفي بقراءة روايتك بعد أن تنجزها، وخوفي من فقدك قبل إتمامها.

‏‎في مرضك، كنت أحرص على عدم مفارقتك، وحتى النوم كنت أخشى أن يفصلني عن مراقبة صحتك، كم كان يبهرني أنك لم تستسلم للمرض وكتبت إحدى مقالاتك «في غرفة العناية الفائقة» وأنت ترقد على سرير المرض؟.

‏‎فهذه الذكريات التي طالما أبهجتني وكانت مصدر فخر لي في أحد الأيام، أصبحت الآن غصة ولوعة لأن هذه السلسة من المواقف الجميلة انقطعت.

‏‎سأتماسك يا «عمو»، لكن ماذا أفعل مع هذا الصوت المؤذي والذي يأتيني من خارجي ويكرر:

‏‎ - «حسن» لن يسألك: هل أعجبتك مقالة هذا الأسبوع «وهو حسن السبع العظيم جدًا وأنتِ رائدة»؟.

‏‎ - «حسن» لن يسألك بعد الآن عن عدد الكتب التي استعرتها من مكتبته «وهو الحريص على كل ورقة فيها».

‏‎ - «حسن» لن يقترح عليك: أي الكتب تقتنين من معرض الكتاب القادم؟ «مع أنه يرفض أن تشتري أي كتاب قبل أن يتأكد أنه موجود في مكتبته ويردد: مكتبتي تحت أمرك».

‏‎ - «حسن» لن يرد على مشاكساتك اليومية ويقابلها بابتسامة ومرح.

‏‎ - «حسن» لن يحضر لقاء الخميس، ولن يعاود الاتصال بك وهو الذي لم يفعلها أبدًا.

‏‎ - «حسن» لن يقلق على موعده القادم مع طبيب القلب.

‏‎ - «حسن» لن يتصل بك فجأة لكي يطمئن أنك بخير ولن يعرف أنكِ لستِ بخير منذ رحيله.

«حسن» السبع كما عرفتموه: له وجه واحد وقلب واحد لم يعرف سوى الحب، لا يحمل حقدًا على أحد، وذاكرته في مواقف الإساءة التي توجه له ضعيفة كذاكرة طفل، بل هو صوفي لم ينطق بغير الغفران، أحبكم جميعًا، وأقسم أنه لا يقوى على دمعة طفل، فكيف بمثل قلوب تبادل معها الود والاحترام، هو الحبيب الذي رحل، وترك لنا أثرًا من شعر وأدب، كما أودع فينا كنوزًا من الحب وأوصانا بنشرها قدر ما نستطيع، وكانت تلك وصيته الأخيرة.