آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

ذكرى غاندي وحقوق الإنسان

علي جعفر الشريمي صحيفة الوطن

يحتفل المجتمع الدولي اليوم الثاني من أكتوبر من كل عام بالذكرى السنوية لليوم العالمي لنبذ العنف، والذي يتزامن مع الذكرى السنوية الحادية والسبعين لميلاد المهاتما غاندي، الزعيم الروحي للهند، والذي عمل على نشر ثقافة حقوق الإنسان في جميع أنحاء العالم، ويحتفي الهنود سنويا بيوم ميلاده، ويعتبرونه عطلة وطنية رسمية تكريما لروحه. غاندي يعد نموذجا فريدا من نوعه، صانعا لفن التسامح واللاعنف، الفارق بينه وبين غيره من عظماء التاريخ، أنه من القلائل، من أصحاب الرسالة الإنسانية، الذين تمكنوا من البدء باستكمال مشروعهم الإنساني وهم أحياء. لذا فإن الموت الذي غيبه كان مجرد رحيل لجسد، أما فكرته ومشروعه بإمكانية التصدي للعنصرية والانتصار عليها بالوسائل السلمية، فقد ترسخت وتجذرت في وعي كثيرين، وعليه قررت الأمم المتحدة تخصيص يوم دولي تكريما لهذه الأيقونة. غاندي لم يكن ملكا من الملائكة، هو إنسان مثله مثل غيره من البشر، عمل وعمل وأخطأ وأصاب، ولكنه كان دائما مراقبا ومصححا لطريقه على الدوام نحو مزيد من الحرية والإنسانية والعدالة.

رجل بدأ حياته مؤمنا بالكفاح، ولم يلبث أن يتأمل في طريق الكفاح حتى وصل سريعا إلى درجة أعلى وأسمى وهو الكفاح المتسامح، المتعالي على كل الجراحات، المتسامي فوق كل أصوات الألم والعذاب والحرمان. قد تكون هذه الذكرى هي الأوقع اليوم، في زمن يعج بالأحقاد والضغائن، وما فرغ أي زمن بشري منها كلها.

وغاندي ابن ماضيه وصانع واقعه، إلا أنه انتهج منهجا جديدا، اختار أن يتسامح ويسامح، اختار السلام، ليس في الحياة السياسية فقط ولكن في دخيلة نفسه، فغسلها من أوساخ الكراهية ونقّاها من براثن التشدد والعنصرية، فكان أن حقق أصعب إنجاز ألا وهو نفس صافية رائقة لا تحمل الكراهية حتى لجلاديها. أقول قولي هذا وأنا أراقب ما يجري في العالم من قتل، وسفك دماء، فيدفعني التفكير إلى نتيجة أن ما يصنع المجتمعات هي الكراهية. وقوتها وقدرتها على تحريك كل شيء.

دعاة التسامح من نوع غاندي لا يخلدهم التاريخ إلا فيما ندر، ومع حضور عدد منهم في التاريخ الحديث على مارتن لوثر كنج أو مانديلا، إلا أن ذكرهم بين البشر يأتي من باب تطهير الذات من إثم الكراهية، لا في سبيل تحقيق التسامح وقبول الآخر. فإن لم نتعلم شيئا من سيرة غاندي، إن لم نستوعب التسامح والعيش الكريم والتساوي المجتمعي والكرامة المواطنية، فلربما استطعنا أن نتلمس على الأقل هذا التسامح الذي لا يمكن تعديه أو تجاهله، لربما تعلمنا شيئا عن مذاق الجمال في النفس البشرية، أنها يمكن أن تكون أعظم، أنها يمكن أن تأتي بالمعجزات، علينا أن نتأمل في هذه الذكرى كيف أن الناس يقتلون أنفسهم بالكراهية، لتتحول حيواتهم إلى حلبة مصارعة يصبح فيها حزب الكراهية هو المنتصر.

أخيرا أقول: لن يصنع معنى لهذا الظلام الدامس سوى أنوار نفوس قادرة على التسامح من أمثال غاندي.