آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

المصباحُ والشعلة

حتى بعد منتصف القرن الماضي كان المصباح الذي لم يكن سوى شعلةً من الكيروسين هو كل ما يجد الناس من ضوءٍ في العتمة. عندما يختفي ضوءُ الشمس كل يومٍ ليس إلا ذلك الضوء الخافت يعلن قدومَ الليل ويبعث في المنزلِ قليلاً من الحياة. اختفى ذلك النوع من الضياء مع ظهور أول مصباحٍ كهربائي وخَلُدَ بعدها في زوايا المتاحفِ وأصبح يتندر به الناسُ في ذكرياتهم.

مصابيح كثيرةٌ أمدتنا أنا وأنتَ في صغرنا بالضياءِ دون أن نشعر بها إلا حين تختفي! أنا كان عندي ضوء الكيروسين وجارٌ لي كل ما صعبت عندي مسألةٌ في حسابِ الربحِ والخسارة استعرتُ الفانوس المتواضع من المنزل أهتدي بها في الظلامِ نحوه ليشرحها ويبسطها حتى لا تنال مني عصا المدرس في اليومِ التالي. في كلِّ مرة أذهب إليه كان يقرأ درسه بعد عناءِ يوم عملٍ شاق مع والده في الفلاحة.

اليوم أفخر إذ أرى الكثيرَ من أقراني ممن رأوا ذلك النوع من الضياء، هم الآن مصابيحَ وشعلات أوقدت كثيراً من الضياء. من ليس باستطاعته نزول ساحة اللعب والمبارزة أصبح يبث روحَ النصرٍ والفوز لدى الكثير من الأشداء والمبدعينَ الواعدين يوماً بعد يوم. أنا من المحظوظين أن كلما رأيت ذلك الإنسان انحنى ظهره قليلاً من عددِ السنين، تذكرت أن كلاَّ منا يحتاج من يهديه الطريقَ ويمده ببوصلةٍ يصل بها نحو الوجهةِ التي يبتغيها. كيف يستطيع الإنسانُ حصرَ وعَدَّ اسم كل من أوقدَ ناراً أضاءَ بها الطريقَ له ولآخرين؟ لكل من هو قادر: إن لم تستطع أن تكونَ ذلك المصباح المضيء فلا تقلل من شأنك إذا استطعتَ أن تكون شعلةً تشعل ما لا حصر له من المصابيح. ولمن كانوا مصابيحَ ومشاعلَ في حياةِ إنسانٍ آخر: ديدن الحياةِ أن زرعوا فأكلنا ونزرع  فيأكلون!

انتصف شهرُ أيلول معلناً بداية فصلٍ جديد من فصول السنة حيث ترخي الشمسُ من قبضتها قليلاً وتنزع الأشجار ما عليها من كساءٍ لتعود مرةً أخرى تكتسيه عندما يأتي الربيع. في اعتدال الطقس يُزرع الورد، منه ما يموت وينتهي بعد مدة ومنه ما يتناثر منه البذورُ وتأتي بجيلٍ مزهرٍ متجدد. ليس لك إلا هذا أو ذاك، وليس لك أن تكون الشوكَ البرِّي المدمي. نسج الحياةِ يطلب منا إما أن نكونَ مصباحاً يضيء أو قبساً يأتي بالضياءِ أو ظلاماً يلعنه كلُّ الناس.

مستشار أعلى هندسة بترول