آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 10:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

ملحمة الخلود والانتصار

ما عسانا أن نقول ونحن نتحدث عن العظماء ممن عمروا الدنيا بمواقفهم النبيلة والإنسانية المشرقة، إذ يحتاج خط اليراع لفكر يحيط بشيء من معرفتهم الحقة وأنى لنا وذلك، ولكنه نقش على جدارية الخلود الحسينية التي أنتجت تأثيرا على مدى الزمان، بل وأخذ الفكر الإنساني القيمي منحى المباديء الحسينية كالحرية والكرامة والعزة والإباء والاستقامة، فكان قبلة الأحرار السائرين في خطى الكمال والطهارة النفسية، حديث يتعلق بمن عانق سماء العلياء والأمجاد بما أفرزته ونجم عنها من نتائج أيام قليلة من حياته، فكيف بمن غار أسبار شخصيته وسيرته طوال سنين سطر فيها ملاحم التقوى والفضيلة، بل نحن أمام تجسيد المقامات العالية من التضحية والشجاعة في مشهد لا نظير له، فقد خلف الإمام الحسين كل شيء في سبيل رفعة الدين وصونه من التحريف والانزلاق نحو الانسلاخ من قيمه ومضامينه.

ولقد كانت كلماته ومواقفه خير شاهد وإثبات على تمثل الروح والتعاليم المحمدية في ما تبناه من مباديء، فإن كان جده المصطفى سعى لتخليص الناس من براثن صنمية الشرك والانحلال الخلقي والفساد، فكذلك كانت منهجية سبطه الشهيد والذي حطم صنمية العبودية والاستبداد والانسلاخ عن القيم الإنسانية المشرقة، ولذا نرى ذاك التفاعل والتأثر بالنهضة الحسينية المجيدة بادية من كل من قرأها بتمعن ووعي، فيطلع على الأهداف التي جعلت السبط الشهيد يرفع راية الإصلاح ومواجهة كل ما اعترى الأمة من أمراض وآفات روحية وأخلاقية ومظاهر فساد، غيرت المشهد الإيماني الذي كان عليه المؤمنون في زمن رسول الله ﷺ، فإن النفس البشرية بجبلتها تحب حالة الطهارة النفسية والحرية والتخلص من ربقة الأغلال الذاتية والخارجية.

لقد كانت للإمام الحسين بصيرة واضحة بما تعانيه الأمة من ضعف الإرادة بعد أن أشربت قلوبهم حب الدنيا وزينتها، وما أصيب به الناس من حالات انحراف وفساد مستشر مستطير أخذ يضرب مفاصل حياتهم وعلاقاتهم، فحادوا عن الصراط الذي خطه الرسول الأكرم ﷺ والقيم الداعية إلى الورع والاستقامة والنزاهة عن مساويء الأفعال والموبقات كشرب الخمور ورقص الغانيات الذي عاد يخيم كما كان في العصر الجاهلي، فبعد أن كانت قبلة الناس رضوان الله تعالى والخوف منه أضحى الحاكم والمسيطر على تصرفات الناس هي الأهواء المتفلتة والانغماس في الشهوات، فهل كان الإمام الحسين الأمين على القيم المحمدية يسعه السكوت عن كل هذا التحول والانحراف، فلا يقيم راية الإصلاح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فينتشل الأمة من براثن الاستبداد والاستعباد؟!

ومن خلال الكلمات التي نطق بها الإمام الحسين منذ بداية تحركه وحتى اللحظات الآخيرة قبل استشهاده، وكذلك ما نطق به أهل بيته وأصحابه وما ارتجزوه من شعر كلها تمثل أسس التحرك نحو التغيير والإصلاح في المجتمع، وذلك باستنهاض الهمم لمواجهة كل تلك المظاهر المخالفة للشريعة الغراء ومبادئها، فليس من المقبول والمستساغ أن يبقى المسلمون بتلك الحالة من المهانة والخنوع وتقبل الواقع المرير بلا حراك أو رفض.

إن يوم عاشوراء سطر ملاحم الفداء والتضحية في سبيل رفعة الدين، بما يمثل إشعاعا مضيئا في سماء الحرية والعزة لن تزول آثاره مع مرور الزمن، بل يزداد ألقا وحضورا وتفاعلا مع القيم الحسينية، وغدت نهجا يسير عليه الأحرار عبر الأجيال المتلاحقة.