آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 10:33 م  بتوقيت مكة المكرمة

سردية الإصلاح الديني «1»

محمد الحرز صحيفة اليوم

في إطار دراسات الأديان المقارنة ومنهجيتها، لا نجد قضية الإصلاح الديني في سياق التجربة الإسلامية ضمن هذه الدراسات، فإذا ما ذكرت كلمة «إصلاح» فإنها دائما ما تحيل إلى التجربة اليهودية المسيحية في سياقاتها التاريخية، في غياب شبه تام لمقاربات تضع الأديان التوحيدية الثلاثة على منصة التشريح والمعاينة بالتساوي، بالخصوص وأن المشتركات فيما بينها تلتقي عند أكثر من نقطة، أهمها النص وتأويله «واستعمال الفلسفة الإغريقية لعقلنة القضايا الدينية» فثمة سجال تاريخي طويل بين الاتجاهات الأصولية والإصلاحية، بين فهم النص بحرفيته وفهم النص بعد تأويله.

هذه الملاحظة يوردها الباحث التونسي محمد الحداد في مقدمة دراسته المعنونة «إصلاح.. نشأة برادايم وتطوره في العالم الإسلامي»

لذلك هو يقدم تعريفا للإصلاح الديني يستوعب في داخله من جهة كل التجارب الدينية التي ارتكزت في تطورها على فكرة الإصلاح وبالتالي استجابت للمتغيرات التي يفرضها الواقع المعاش. ومن جهة أخرى يزيح به أهم العوائق التي جعلت من التجربة الإسلامية في الإصلاح مجرد سردية لا تقبل الاندماج في سردية الإصلاح الديني في الدراسات المقارنة.

«الإصلاح الديني سعي لملاءمة مثمنة بين تمثلات القداسة وضرورات الواقع المعيش، وإعادة التناسب بين المتخيل الديني والمتخيل الاجتماعي، ويترجم هذا السعي في حالات الديانات التوحيدية بالملاءمة بين الأوضاع التأويلية ومتغيرات العصر».

ووفق هذا التعريف، وكي يقدم سردية بديلة، بدأ بتفنيد سردية العثمانيين «والمقصود عنده بالعثمانيين جميع المفكرين الذين اقتنعوا أن الانحطاط يزال بإصلاح الإمبراطورية العثمانية» حول أسباب انحطاط العالم الإسلامي والطرق التي اتبعوها لمعالجة هذا الانحطاط. وكانت نظرية ابن خلدون في مراحل نشوء الدولة وهرمها هي التي تصوروها للخروج من هذا المأزق بعد أن أضافوا عليها عنصرا لا يمت إلى النظرية بصلة وهو إمكانية الإصلاح قبل هرمها ثم سقوطها.

وكون نظرية ابن خلدون ترتكز على النظرة الدورية للتاريخ، جاء لاحقا جيل من المصلحين الإسلاميين طرحوا مسألة إصلاح الإمبراطورية، وتبنوا بديلا عنها إمبراطورية عربية تأخذ منها الدور المناط بها وكأن الزمن التاريخي يعيد نفسه من خلال هذا التبني.

ولم يشارف القرن العشرين على البزوغ حتى تم تبني نظرية أخرى تكرس النظرة الدورية للماضي والتاريخ، وهي نظرية المؤرخ أرنولد توينبي وملخصها «أن كل حضارة لا يمكن لها أن تستمر إلا إذا قامت برفع التحديات التي تواجهها وهذا ما دعاه قانون التحدي».

وقد وجد هؤلاء المصلحون في سبيل إصلاح الحضارة الإسلامية العربية أن العودة إلى الأصول تعطي أسباب القوة، حيث هو السلاح الناجع في التصدي للتحدي الأكبر وهو العالم الغربي.

هذه السردية للإصلاح - كما يؤكد الباحث - أوجدت العديد من المساوئ أهمها إغفال العامل الداخلي في فكرة النهوض بالإصلاح. فالتنوع العرقي والديني والطائفي والعلاقات الاجتماعية التي تستجيب لمتغيرات الزمن جميعها تختفي من أفق التفكير وتبرز بدلا عنها «أنا» متماسكة إزاء آخر غربي.

لذلك برزت في خطابها ثنائيات حادة من قبيل إسلام/ كفر، شرق/ غرب وهكذا. وعليه فإن البحث عن أسباب داخلية يمكن الركون إليها للنهوض لم تكن مطروحة في أفق الإصلاح، وإن إصلاح الأنا من الداخل بما يتوافق والتطورات التي تجري في العالم لم تكن في وارد خطاباتها، وبالتالي لم يبق لها سوى أفق الصدام مع الآخر ومع خطابه الديني الذي أوقف مسيرتها الحضارية عن النهوض.

وبعد تفكيكه لهذه السردية يقترح الباحث إعادة صياغة العلاقة بين الوعي الديني والحداثة في المجال العربي الإسلامي، بعيدا عن تأثير تلك النظريتين على الوعي الإصلاحي مقارنا ومحللا ثلاثة أجيال من المصلحين منذ مطالع القرن الثامن عشر إلى منتصف القرن العشرين. لكن في مقال آخر نتناول هذا المقترح مع رأينا الخاص حوله.