آخر تحديث: 18 / 9 / 2019م - 10:48 م  بتوقيت مكة المكرمة

الوحدة والتقابل في المشروع النهضوي

يوسف مكي صحيفة الخليج الإماراتية

إحدى المعضلات التي واجهت مشروع النهضة العربية في مرحلة تأسيسه، هي تغليب أحد عناصره على العناصر الأخرى، وأحياناً وضعه في حالة تقابل مع بعض عناصر المشروع. فقد طرح الرعيل الأول من زعماء النهضة، وبقوة، أثناء المواجهة مع الاستعمار شعار الحرية والاستقلال. وغُيبت مشاريع التنوير والحداثة والعدل الاجتماعي.

انتهت الحرب العالمية الأولى بمشروعين استهدفا شعاري الاستقلال والحرية: اتفاقية سايكس بيكو، ووعد بلفور. وقد هزت نتائجهما الوجدان العربي، وكان المؤمل أن تفتح الأبواب ليقظة جديدة، تضيف إلى المشروع وتضع عناصره في السياق التاريخي، لكن طبيعة الصراع لم تترك فسحة للمراجعة. توالت الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وقسم المشرق العربي، بمسطرة من خارج المكان. وحدثت النكبة في ظل توجس وغفلة، ما كان لهما أن يكونا غير ذلك.

إلا أن المناخات التي أعقبت الحرب الكونية الثانية، ووجود نظامين عالميين؛ رأسمالي واشتراكي، نقلا التقابل في الصراع إلى العدل الاجتماعي. أصبح شعار الحرية مسكوناً بهواجس الانتماء للمشروع الإمبريالي، وتغلب عنوان العدل على كل العناوين الأخرى. ومن جديد أصبح الصراع داخل مشروع النهضة، وبين عناصرها، وليس بين المشروع وبين عناصر التوتر المستهدفة لوجوده.

وهكذا، تأسس النظام العربي بعد الحرب العالمية الثانية على قاعدة الصراع بين العناصر اللازمة للنهضة، بدلاً من التفاعل الخلاق بينها. وكان الصراع في الخمسينات والستينات في المجتمع العربي، بين عناوين النهضة: بين الحرية وبين العدل. لماذا حدث ذلك؟ وما السبيل لتجاوز هذه المعضلة؟.

الواقع أن انقسام العالم إلى معسكرين، ترك بصماته على مجرى الحراك السياسي والاجتماعي في البلدان العربية. ولأننا لم نكن صناع أفكار أو مشاريع، فقد كان تلقينا للمشاريع الوافدة من الغرب والشرق، واهناً وعاجزاً عن الارتقاء بالمشروع النهضوي بشكل يجعله يستوعب المحركات الذاتية، وينطلق من التربة الوطنية. لم تكن مشاريع الحرية أو العدل نتاج صيرورة تاريخية؛ بل كانت نقلاً مشوهاً غيبت فيه مهام التوطين، وكان التغييب وجهاً آخر للعجز عن المبادرة والإبداع، وتعبيراً عن ضحالة الفكر وهشاشة الهياكل الثقافية والفكرية والاجتماعية السائدة.

انتهت حقبة من التاريخ بسقوط الاتحاد السوفييتي، وكان دورنا من جديد هامشياً. انسقنا لمهرجان «نهاية التاريخ»، وعاد الحديث عن الليبرالية والنظام الغربي، والديمقراطية باعتبارها مثلاً وقيماً جديدة، على الرغم من أنها سادت في الغرب لما يقرب من قرنين ونصف القرن، أعقبت اندلاع الثورة الفرنسية.

مكمن الداء هو وضع عناصر النهضة في مواجهة بعضها بعضاً. ووضع المواطن بين خيارين؛ أحدهما يصادر حرية المواطن، والآخر يصادر الوطن والمواطن، ويفتت المفتت. يواجه الاستبداد بالتفتيت، ويقع كثير من المثقفين في حبائل التنظير الهادف لإضعاف الأمة. عنصر نهضوي في مواجهة عنصر نهضوي آخر، الحرية في مواجهة التنمية والعدالة.

لن تستقيم المعادلة إلا بإعادة الاعتبار لعنصري النهضة: الحرية والعدالة. وكلاهما يتطلب نبذاً لسياسة الإقصاء، وحقاً في تكافؤ الفرص، وإسهام الأمة في صناعة قراراتها ضمن علاقات تعاقدية تغلب لغة القانون.

فقضية الوحدة العربية، على سبيل المثال، وقد رأى معظم المفكرين العرب، أن علاقتها بنقل المجتمع العربي من مجتمع تقليدي إلى مجتمع متقدم، هي علاقة ترابط وتكامل. إن نجاح أحدهما يتوقف على نجاح الآخر، وإن الفصل بينهما مهمة مستحيلة.

هذه الرؤية تراجعت بعد نكسة يونيو1967، التي مثلت تحولاً استراتيجياً في الفكر العربي. فلم يكن للتاريخ أيضاً أن يعاود خطاه بشكل ميكانيكي دونما مراجعات نقدية للمرحلة التي أفرزت النكسة. مراجعات نقدية تنطلق من التسليم بالنسبي في قراءة التاريخ، وأيضاً من كون التاريخ صيرورة وحركة في آن معاً؛ صيرورة بمعنى الخلق والإبداع، وحركة تتفاعل فيها آليتا التفسير والفعل، وتشملهما معاً.

وفي عملية الخلق هذه، حدثت رؤية جديدة للدولة القطرية، بدلاً من وضعها في خط معاد للأمة، كما كان الحال في أدبيات الستينات، إلى حال جديدة. أصبحت الدولة القطرية، الآن منطلقاً وطنياً نبني عليه ولا نتجاوزه لتعزيز العمل الوحدوي، ننطلق منه إلى صيغ تحقق الهدف الأسمى من فكرة الوحدة، وخدمة مصالح الناس، ولحاق هذا الجزء من العالم بقاطرة النمو والنهوض، وليس صيغة الاندماج الكامل المنفعلة التي كانت عنواناً لمرحلة الصعود في الفكر القومي.

ولأن التاريخ صيرورة وحركة؛ إرادة وفعل، لم تعد سياقات الثورات الاجتماعية الكبرى وحدها دليل للعمل. فمن المنظور البراجماتي لسنا بحاجة إلى كبير عناء لتعريف من هو العربي؛ العربي هو من يعيش على الأرض الممتدة من الخليج العربي إلى المحيط الأطلسي، ويؤمن بحق أهلها في تقرير مصائرهم وأقدارهم، والنهوض ببلدانهم، وسيادة مفهوم المواطنة المستند إلى الندية والمساواة والتكافؤ.

ذلك بالتأكيد، يقتضي مراجعة واعية أعمق للعناصر اللازمة لتكوين الأمة القومية، لغة وتاريخاً وأرضاً مشتركة.. وإعادة صياغتها بحيث تزج بمختلف الطاقات في عملية التنمية والبناء.