آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 4:40 م  بتوقيت مكة المكرمة

البعدُ الثامن

أن ينحدرَ السيلُ من الهضابِ وقممِ الجبال فهذا من الطبيعة، أما حينَ يرقى السيلُ نحو القممِ فليسَ إلا في أحدِ فصول طوفانِ السفينة. وليس من الطبيعةِ أيضاً أن يكون لك ولدٌ ما طلعت الشمسُ على أجملَ منه تعد سنوات عمره والشموعَ كلَّ سنة! واحدةٌ اثنتان ثلاث ثم عشر ثم عشرون، وفي ليلةٍ باردةٍ ليس فيها قمرٌ طالع تهب رياحُ الشمالِ وتُطفئ كلَّ تلك الشموع،. انتهى كلُّ شيءٍ وماتَ كلُّ أملٍ زرعته فيه. لن ترى كيف سيكون ابنه أو ابنته، ولن تعلمَ إن كان حفيدك منه سوف يشبهك أنتَ أم جده الآخر.

أن يخطفه القدرُ فهذا من طبيعةِ غدرِ الأيام لا جدال فيها، ولكن حين يكون مثل إسماعيل الذبيح أنتَ تحد الشفرةَ وتقصد فري أوداجه واحداً بعد الآخر فلا بدّ أن مشروعكَ وتضحيتك من خارجِ ما تآلف عليه البشر. وأن تُشركَ أمه في هذا المشروع، هي تقف على تلةِ رمل تنظر إلى الدمِ يفور منه، حائراً فوق الفرس، فهذا ليس من الطبيعة.

سامحني على الوصف الفظيع إذا كان أحدثَ جرحاً في قلبك وتمنيتَ أنك لم تقرأ ولم أكتب أنا. هي الحقيقة أني لم أكتب ولكن هذا ما كتبه التاريخ. ومتى ما انهدمت ثمانيةُ أركانٍ من بنائك واختفت ثمانيةُ أبعادٍ من عشرة من بين ناظريك يعني أنك اجتزت نقطةَ اللاعودة وانتهى الأمر. كل ما تفعله من المعقول لأنه ابنك ولكن حين يقول لك ابنك دلني على الموتِ فهذا يعني أنه مؤمنٌ بك وبمشروعك لأن العادة جرت أن يقبرَ الأبُ ابنه وليس العكس! في أخلاقِ الفقه يُكره نزول الأبِ في قبرِ ولده خوفاً من جزعه وفوات أجره، لكن ماذا لو كانت الصحراءُ كلها قبراً للولد ولم يستطع أبوه أن يحفر له قبراً فيها؟ ربما ينبطح إلى جانبه ويقبله قبلةَ الوداع الأخير ويقول فيه كلمات! كلماتٌ لن يسمعها أحدٌ، وتبقى سراً لحين أن يلتقيا.

نجح مشروعُ الأب وابنه وهما يرقدان الآنَ بسلام. هذا ما كتبه التاريخُ بتصرف في اليومِ العاشر من شهرِ محرم سنة 61 هجرية. ولم يغفل التاريخ أن يذكر أن من قتلوهمَا لم يجدوا الخبزَ الذي كانوا يحلمون بالحصول عليه!

مستشار أعلى هندسة بترول