آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:16 م  بتوقيت مكة المكرمة

الورد الميَّال

في صغرنا وقبل أن نعرف شيئاً عن الوقتِ كان عندنا منه الكثير دون أن نحتاجَ للساعة، كنا مثل الأزهار ندور حيث تدور الشمس وتتجه نحوها لنكبر. قليلاً، قليلا بدأت الحياةُ تطلب منا معرفةَ الوقت والساعة، مدرسةٌ ثم عمل ثم عائلة. لابد أن نسبق الوقت لنصلَ صفَّ المدرسة قبل أن يصل الأستاذ الذي عادةً ما يوصد البابَ دوننا إن تأخرنا، ثم مشرف العمل الذي ينظر لنا بشزرٍ واضح ويكتب التقريرَ عن حضورنا وينقص الراتب إن تأخرنا دقيقةً واحدة، ثم الزوجة والزوج الذي يسأل أين كنت؟ إن عاقنَا الطريق. وهكذا كل الناس والدنيا تسألنا عن الوقت ويطلب منا الوقت.

آه، ثم يأتي اليوم الذي نعود فيه صغاراً مرةً أخرى، مثل شجرةِ ميالِ الشمس، نميلُ مع الشمسِ أينما مالت لكي نعرف الوقت. لدينا الكثير من الوقت، لا نحتاج إلى ساعةٍ لضبطه، ومن يحتاج مقياساً دقيقاً للشيءِ الرخيص؟ أنا بقيتْ فقط امرأتي تسألني أين ومتى؟ والكل يطلب مني أن أعودَ غداً لينجز ما أردت منه، العامل والصديق والأسرة والمجتمع. لكن أنا كنت أخطرهم، حين أريد أن أقومَ بعملٍ ما فطولُ المدة التي يحتاجها العمل هي من البداية حتى أنتهي، اليومَ أو الغد أو بعد شهر، لستُ في عجلة!

لم أكن أعرف قانون باركنسون قبل الآن الذي هو قائمٌ على مفهوم ”أن العملَ يتوسع لكي يملأَ الوقتَ المتاح لإنجازه“، وهذا القانون يقول: إن أنا أعطيتُ عملاً يحتاج يوماً واحداً لإنجازه يوماً لا غير، سوف أنهيه في يومٍ واحد. وإن أنا أعطيته يومين سوف يتمدد الوقت وسوف أنجزه في يومين، وهكذا فإن أنا أردتُ الآن أن أعود ثانيةً بعيداً عن دورانِ الزهور وعباد الشمس أحتاج أن أحول اعمالي إلى مشاريع، وأحدّد موعداً نهائيا لكل عملٍ من الأعمال وألتزمَ بهذا الموعد، وأبدأ بالأهم أولاً ثم المهم ثم الأقل أهمية.

ليس عندي ميلٌ كثير أن أضبطَ وقتي الذي لم يعد جزءً من يومي ومستقبلي وأظن أن في الدنيا كثيرونَ مثلي يتمدد الوقت عندهم ويسترخي على تختِ الراحة ليأخذ المساحة والحجم الذي يشاء. في واحدةٍ من ليالي الشتاء الطويلة حلمت أن هناك سوقاً يبيع فيه البؤساءُ والفقراء أوقاتهم وأعمارهم التي لا يحتاجونها للأغنياء، ثم صحوت على من يقول: أسوأ أنواع الحياة أفضل من الموت! بالطبع لن يكون هناك سوقٌ للوقت لأنه المادةُ الوحيدة التي وإن ضيعها واحتار في قيمتها من يملكها فهو لن يبيعها...

مستشار أعلى هندسة بترول