آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 6:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

عبور الضفاف

هل تمنيتَ يوماً أن يكون لديك سفينة تبحر بها نحو الضفةِ الخضراء المورقة؟ لن تكفي كل موانئ العالم سفن البشر ولكن كلنا يملك المعرفةَ أن في الغيبِ سفناً خفيةً تفتح لنا قنواتٍ في بحارِ الطوفان نحو السواحلِ دون أن نغرق. هذه المعرفة هي سفينةُ ”الأمل“، أعطا اللهُ واحدةً لكل منا وأوصانا بالعناية بها وبسفنِ وآمالِ وأحلامِ غيرنا ألا نغرقها!

جمع أستاذٌ جامعي ”كيرت ركتر“ فى فترةِ الخمسينيات من القرنِ الماضي مجموعةً من الفئرانِ وفي المرة الأولى وضع كل فأرٍ في إناءٍ زجاجي كبير ممتلئ حتى منتصفه بالماء لكي لا يستطيع الفأرُ الصعودَ للأعلى والنجاةَ من الغرق. أخذ كل فأرٍ ينط ويسبح باحثاً عن مخرج ولكن كلهم استسلموا للغرق وماتوا بعد حوالي خمسةَ عشر دقيقة. وضع الأستاذُ مجموعةً أخرى ولكنه كان ينقذ كل فأرٍ عندما يوشك على الغرق ويخرجه من الإناء، ليجففهُ ويعيده في الماءِ مرةً أخرى. فعل ذلك وفي المرةِ الثانية سبح كل فأرٍ حوالي ستينَ ساعةً قبل أن يستسلم للغرقِ والموت، واحدٌ منها سبح إحدى وثمانينَ ساعة!

هذه القصة تتكرر في كتابِ بحار الحياة، إذ أن شريعة البحر وعادته أن يغرق من يسبح فيه زمناً طويلاً دون أن يرى لوحاً يطفو على السطح ويرتقي فوقه، تتلاطم الأمواجُ واحدةً تلو الأخرى لتُغرق من ليس لديهم أشرعةً من الأملِ بأنهم سوف يصلون يوم غدٍ شاطئ الأمانِ والضفافَ الخضراء.

علينا ألا نفقد الأملَ والحلم أن المريضَ سوف يشفى والصغير سوف يكبر والفقير سوف يغنى. أحلامٌ إن لم نعتقد أنها سوف تتحقق فليس البديل عنها إلا الغرق والموت. عندما تكون الرياح قوية يستعين البحارةُ في الاحتماءِ بقوةِ وصمود بعضهم، إذا انكسرت إحدى سفنهم في البحر قال له البحارة: اركب معنا. في يد القدر نحن كلنا نقوي أجسادنا بعقولنا ونشد أزر بعضنا بعضاً مثل الكباشِ التي تختفي وتحتمي من سكينِ الذابح قدر ما تستطيع! لا ضمانَ في النجاة مؤقتاً سوى في معرفة الذات والأدوات والثقة بالنفس.

مرضت صبيةٌ مرضاً عضال، فسألت أمها إن كان الطبيبُ أخبرها متى تموت، فأرادت أمها أن تزرع فيها الأمل فأجابتها: قال الطبيب سوف تموتينَ عندما يأتي الخريف وتسقط آخر ورقةٍ من الشجرةِ التي نجلس تحتها كل يوم. قالت البنت: إذاً أشفى قبل الخريف! مرت الأيامُ وفي كل يوم تسقط ورقة حتى تعرت الأغصانُ إلا من ورقةٍ واحدة، بقيت خضراء. قبل انتهاء فصل الخريف شفيت البنت من مرضها وانتزعت الأمُّ الورقة التي صنعتها وزرعتها بيديها واعتنت بخضرتها كل يوم! أليسَ إذاً يجب أن يكون الأملُ ضالتنا كلنا؟

مستشار أعلى هندسة بترول