آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 7:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

أول وآخر صفحة

تستهويني صفحتان في كلِّ كتاب. الأولى وهي ”المقدمة“ التي تعرفني بالكاتب وكيف عاشَ فصول حياته، والثانية وهي ”الأخيرة“ في كل كتاب والتي فيها يذكر الكاتبُ كم كتاباً كتب. لا أعجب عندما يكون في الصفحةِ الأخيرة عشرة عناوين ولكن أتعجب عندما يكتب شخصٌ ما عشراتِ الكتب في سنينَ قليلة! كان الكتَّاب والعلماء في الماضي يتنقلونَ على الدواب وعبر البحار بين الحواضر والبلدان بحثاً عن المخطوطاتِ والنسخ النادرة من الكتب، حينها كان السفر مضنياً ويقتطع كثيراً من الليالي والأيام من أوقات المسافرين وأعمارهم.

 

منذ أن تركت العمل الرسمي قلت في نفسي لماذا أنا لا أستطيع أن أكتبَ كتاباً واحداً، ولو لم يكن ذا منفعة سوى حبر على ورق؟ ليس لزاماً أن أشتري الكتبَ أو أسافرَ في الليالي والأيام عبر البحار والبراري. أستطيع أن أبحثَ عن الكتب في المكتبةِ الرقمية وأقتطعَ شيئاً من هذا الكتاب وشيئاً من ذاك الكتاب وإليك كتابي! في الواقع صار هذا الفصلُ من عمري ووقتي مثل سائلٍ في إناء، الإناء يتحكم في شكل السائل، يشكله كيفما يشاء. قبل أن يطلع الفجر تصطف كلُّ الأمور، التافه منها والمهم، وبما أنني لستُ منشغلاً في شيء لابد من إنجاز كل شيء، وفي نهاية كل يومٍ جردةُ حساب الوقت تساوي الصفر أو أقل قليلاً! وبعد حوالي ثلاث سنوات انتبهت إذ في غفلةٍ من الزمن تنتهي السنين ولا شيء مفيد. وعرفت أن من كان يكتب الكتبَ أو يخترع أو يعمل لا يهتم بتوافهِ الأمور ويعرف كيف يتحاشاها. قيل إن بعض العلماء والذي كتب عشراتِ الكتب في قديم الزمان كان يدس الرسائلَ تحت البساط الذي يجلس عليه، وعندما نظر في بعضها حين فرغ من كتابة بعض الكتب كان في الرسائل رسالةَ خبر وفاةِ والده وغيرها من المهمات.

تتشعب الدروب التي تغوينا في الحياة، ولكن لابد لنا أن نأخذ فرعاً أساسياً فيها يوصلنا إلى رافدٍ ذي معنى، وليس الكتاب إلا عبارةً عما نستطيع أن نسجله في لوحةِ الإنجازات التي قد تكون العمل أو العلم أو الأبناء أو الصحة وغيرها من مساراتِ حياتنا التي تتعدد وتتزاحم فيها المهمات. نحن نكذب على أنفسنا حين نعتقد أن كل شيءٍ في الحياة مهمٌّ ولابد من إنجازه! نشتكي من قصر الأعمار ولكن تكفي السبعين سنة والستين سنة التي يعيشها معظمنا لكي نتعلم ونعمل ونصلي ونتطببْ، فقط لو استطعنا أن نقول ”لا“ لما يسرق تلك السنين! ولكن كيف السبيل وكلهم أعدائي؟

يأتي يومٌ يوم نعزفُ الناي ونقول: لماذا انتهت كل فصول الحياة، كبرنا بسرعة وانتهى العمر؟ ما يجلب البهجة لنا حينها أن يكون إناء الإنجازات مليء بما هو أغلى كثيراً من الصفر.

مستشار أعلى هندسة بترول