آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 6:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

من يشتري طنَّا بدينار؟

أشياءٌ ثمينةٌ في الحياةِ لا يمكن أن تعودَ ولا يمكن أن نصلحها متى ما عطبت، الدمُ متى سال وانسكب والخاطر متى انكسر!

يضخ القلبُ الدمَ في عروقِ البشر يمدهم بالطاقةِ والحياةِ ومتى ما انسكب الدمُ على الأرضِ صار يغلي في درجاتِ حرارةٍ تُحرق أشدَّ من النار، ويسيل الدمُ في ”موجٍ كالجبال“ يُغرق مثل طوفانِ السفينة، ولا عاصم من خطايا انسكابه.

يمكننا أن نذيبَ قطعَ الزجاجِ المتناثر ونعيد تكوين الإناء لما يشبه حالته القديمة، وربما ألبسنا الإناءَ الجديد كسوةً من الجمالِ الذي لم يكن موجوداً في السابق، ولكن ذلك العضو العضلي بين أضلعِ البشر ”القلب“ الذي يضخّ الحياةَ يمكنه أن ينكسرَ أيضاً، ولا يعود صافياً محبَّا مخلصاً خالصاً كما كان. سوف تبقى ندوبُ الجراحِ محفورةً فيه تتردد بين العقلِ والعاطفة، هذا يقبلها وهذا يرفضها حتى يموتَ حاملُ الجراح.

ليس فقط الموت من الحب ورفض الحبيب النادر الآن بين البشر قد يفطر القلب، بل البغض أيضاً الذي صار يباع بين البشر طنَّا بدينار! أو إن شئتَ تشتريهِ دون مقابل، خذ منه ما شئت! يبدو البشر أقوياء وجبابرة ولكن بين حنايا أضالعهمْ تلك العضلة التي ليسَ أسهل من جرحها وكسرها في نظرةٍ أو كلمةٍ أو حتى وَهم النظرةِ والكلمة!

منْ منَ البشر استطاعَ أن يصلح ما فعل قابيلُ في هابيل الذي ابتدأ خصامه في كلمة ”لأقتلنك“ وانتهت جملةُ الخصام في ”فَقَتَلَهُ“. وسرت الكلمةُ من بعده في بنيهِ وصارت كلمات، وجرى دمُ الأبناء أنهاراً لا تتوقف! ثم في العصرِ الحديث أثمنُ الآلات هي التي تدفع وتسيل ذلك الدمَ خارجَ الجسد وتضخ الحقدَ في القلب، أثمن وأغلى من كل الآلاتِ التي تجلب الحياةَ والسعادة للبشر.

يقال أن النساء أرق قلوباً فليت الدنيا كلها كانت قلوباً رقيقةً لا تحتربْ ولا تُحرق. النساء فقط هنَّ من يكسرنَ القلوبَ والخواطر ويجبرنها ويقتلنَ ويحيينَ قتلاهن، أما الرجال فلا، وإليك الدليل من فمِ الشاعر جرير:

إنَّ العيونَ الَّتي في طرفها حَورٌ

قتلننا ثمَّ لم يُحْيينَ قتلانا

يصرَعْنَ ذا اللُّبِّ حتَّى لا حراكَ به

وهُنَّ أضعفُ خلقِ الله إنسانا

أنا أكاد أجزم أن الرجال أيضاً ترق قلوبهم في فصولِ الخريفِ من حياتهم، وربما صارت أرق من قلوبِ النساء. قلوبُ الرجال في خريف العمر أكثر رحمة ولكن كسرها أهون من كسرِ الزجاج، فرفقاً بهم!

مستشار أعلى هندسة بترول