آخر تحديث: 9 / 12 / 2019م - 10:34 ص  بتوقيت مكة المكرمة

الاندفاع.. التعنت

محمد أحمد التاروتي *

فقدان الحكمة في التعاطي مع القضايا الصغيرة منها والكبيرة، يقود الى الطرق المسدودة وأحيانا الى التهلكة والضياع وعدم الاستقرار، فالمرء الذي يتخذ شعار «على البركة» في خوض عمار التحديات الحياتية بمختلف التحركات، يحصد الهواء والخيبة والخسران في الغالب، لاسيما وان مبدأ «اعقلها وتوكل»، يمثل الطريق الأسلم لتفادي الإخفاقات، والوصول الى الهدف المنشود، جراء وجود خطة مدروسة وخطوات معروفة سلفا، بالتالي فان التعاطي المتوازن يشكل عامل استقرار في مختلف الأمور، فيما التهور والاستعجال لا يخلب سوى المشاكل، وإضاعة الوقت في الغالب.

الحماس في التعاطي مع القضايا عملية مطلوبة، فالتراخي وعدم المبالاة يحول دون تحقيق النجاح، الامر الذي يفسر وصول البعض الى قمة النجاح، وتحقيق الإنجازات الكثيرة خلال فترة زمنية قصيرة، بخلاف البعض الاخر الذي ما يزال يراوح مكانه منذ فترة طويلة، وبالتالي فان وجود الاندفاعة القوية في معالجة الأمور، يساعد في القفز على العراقيل، والبحث عن إيجاد الحلول للكثير من المصاعب، نظرا لوجود شعور كبير بالمسؤولية وعدم التهاون في مختلف الأمور الحياتية، مما يقود لمضاعفة الجهود في سبيل اختصار الزمن، وتجاوز كافة الاحباطات والمشاكل، التي تظهر في بداية الطريق او منتصفة او نهايته.

غياب الاّراء السديدة والحصيفة معضلة كبرى، في مختلف الملفات الجوهرية والهامشية، فالمرء مطالب باتخاذ المواقف الصائبة قبل الأقدام على العمل، لاسيما وان الانخراط غير الواعي يترك تداعيات سلبية، سواء على الصعيد الشخصي او الاجتماعي، مما يستدعي التريث ودراسة الأمور من مختلف الجوانب، قبل الشروع في المعالجة الحقيقية، خصوصا وان الاستعجال والقرارات الارتجالية تخلف اثارا سلبية، مما يولد العديد من المشاكل الانية والمستقبلية في نهاية المطاف، بحيث تتجلى في الهزيمة النفسية قبل الخسارة المادية.

الاندفاع غير الواعي مسلك الفئات المستعجلة في الغالب، فهذه الشرائح تتعامل مع الأمور ب ”الفزعة“ و”الشهامة“ غير المحمودة، مما ينعكس على مستقبل القضايا الاجتماعية، ويزيد من تعقيدها على الأرض الواقع، نظرا للافتقار للآليات والحلول المناسبة، فضلا انخراط عناصر تفتقر للقدرة على الإدارة السليمة، بحيث تظهر على شكل قرارات غير استراتيجية، وأحيانا التعامل مع القضايا بسطحية وغياب الرؤية السليمة، نظرا للافتقار لقراءة الاثار المستقبلية، الامر الذي يحدث حالة من الصدمة لدى العديد من الشرائح الاجتماعية، جراء النتائج الكارثية الناجمة عن المعالجات الارتجالية وغير السليمة.

تجاهل النصيحة والاّراء العقلانية احد الامراض، التي يعاني منها أصحاب القرارات غير الحكيمة، فهؤلاء لا تلتفتون لجميع الأصوات الصادقة، ويتغافلون عن الخبرات وأصحاب التجارب، مما يزيد ”في الطين بلة“، فهذه الفئة ترفض مشاركة الاخرين باعتبارها صاحبة الرأي السديد، فيما الاّراء الاخرى خاطئة وغير قادرة على المعالجة العملية، الامر الذي يسهم في زيادة التخبط لدى أصحاب ”التعنت“، جراء استبعاد مختلف الاّراء الأخرى، والاكتفاء بالصوت الواحد، باعتباره الفيصل والحاسم في المعالجة الدقيقة للقضايا القائمة.

الاندفاع والتعنت من الامراض البشرية، التي تستوطن عقول ونفوس البعض، مما يسهم في اغلاق جميع الأبواب امام الاّراء الأخرى، نظرا لسيطرة الصوت الواحد وانعدام الحكمة في مقاربة القضايا على اختلافها، الامر الذي يقود الى التخبط، وعدم القدرة على الخروج، بحصيلة إيجابية في جميع الملفات، نظرا لانعدام الحلول الناجعة لمعالجة الأمور، بأساليب حكيمة وعقلانية.

كاتب صحفي