آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 6:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

مسافرون في الزمان

نحن الآن في عالمنا الصغير نسافر في المكانِ لا الزمان، نأخذ إجازةً نرتحل فيها لمكانٍ آخر ونعود حيث كنا، لكن متى انتهى يومٌ لا يعود ومتى انتهى شهرٌ لا يعود. ماذا لو استطعنا أن نسافرَ في الزمان وأمكننا علمُ البرمجياتِ من معرفةِ كيف نشيخ قبل المشيخْ؟ لو عرفتَ أن زوجتك سوف يبيض شعرها الفاحم وتملا التجاعيدُ وجهها الغض أواخرَ العمر هل كنت تخطبها أم تقصد أخرى، أم تبقى حصوراً ممتنعاً من الانغماسِ في الشهوات؟ لو عرفت زوجتكُ أن كرشك سوف يعلو صدرك، ينحسر شعرُ رأسك الناعم وتنقبض عضلاتك الثائرة هل ترفض الزواج منك؟

نحن نعرف الجوابَ ولكن شيئان يمنعانَا من تغيير الواقع وهما: في الحالة الطبيعية تتكشف الامورُ قليلاً قليلاً، نعتاد الشيبَ ثم نشيب، نعتاد رؤيةَ التجاعيد التي لا تأتي في يومٍ او سنةٍ ثم ننظر في المرآةِ وقد ملأت التجاعيدُ صفحة الوجه، والأمر الآخر أنه ربما من النعم أن تذهب حدةُ البصر في الكبر فلا نرى ما يخطه قلمُ الزمانِ على وجهِ من نحب كما لو كنا في ريعان الصبا وحدة النظر.

الآن أمكننا العلم أن نسافر في الزمن ونعود، بحيث أننا نستطيع أن نستكشف كيف ستكون هيئة وجهنا عندما نكبر، صورةٌ من الشباب وبرمجياتٌ حسابية تستطيع أن ترسمَ لنا كيف يبدو وجهنا في الستين أو السبعين أو بعد أي عمرٍ، فماذا نصنع؟ ربما لا شيء وربما الكثير! لقد أصبح العطار يصلح ما أفسد الدهر وبامكاننا إبطاءَ ساعاتِ الزمن في مظهرنا قدر ما نستطيع، فيما نلبس وفيما نأكل وفيما نمارس من رياضاتٍ جسدية وروحية. سوف تفشل البرمجياتُ في نبوءتها عندما نغير عاداتنا السيئة إلى ماهو أحسن، والعكس صحيح.

شيء آخر لن تعرفه البرمجيات هو كيف ستكبر عقولنا وعواطفنا، فالمعادلاتُ لن تعرف مطلقاً أننا سوف نكون مثل طعم العسلِ أو في مرارةِ الخل عندما نشيخ، سوف نكون فارغي العقل والذاكرة، أم مشحونينَ بالمعرفة والذاكرة البديعة.

وقع بين الأعمش وبين زوجته شيءٌ من وحشة فسأل بعض أصدقائه من الفقهاءِ أن يرضيها ويصلح بينهما، فدخل إليها وقال: إن أبا محمد شيخٌ كبير، فلا يُزهدنك فيه عمشُ عينه، ودقةُ ساقيه، وضعفُ ركبتيه، ونتن بطنه، وبخر فمه، وجمود كفِّه! فقال له الأعمش: قم، قبحك الله، فقد أريتها من عيوبي ما لم تكن تعرفه! تباً لهذه البرمجيات التي تكشف من عيوبنا ما لا نريده أن ينكشف!

يبقى الجمال جمالاً وإن تقادم به العمر ويبقى نهرُ الحبِّ عذباً وإن دافَّ الزمن فيه ملحاً! ويبقى أجمل ما قيل فيه ما قال الشريفُ الرضي:

يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ
لِيَهنَكِ اليَومَ أَنَّ القَلبَ مَرعاكِ
الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ
وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي الباكي
هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ رائِحَةٌ
بَعدَ الرُقادِ عَرَفناها بِرَيّاكِ
ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا طَرَبٌ
عَلى الرِحالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ
سهمٌ أصابَ وراميهِ بذي سلمٍ مَن
بالعِرَاقِ، لَقد أبعَدْتِ مَرْمَاكِ

مستشار أعلى هندسة بترول