آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

ممكن؟

في الساعاتِ الأولى من أيامِ أشهر الصيفِ الطويلة يبدأ النهارُ ودرجاتُ الحرارةِ في أوائلِ الثلاثينات، ولكن ما إن ترتفع الشمسُ قليلاً إلا وتصل إلى منتصفِ الأربعينات والخمسين درجةً مئوية. عندما أغادر منزلي كل يومٍ أسمعُ مطارقَ البنائين وأرى باعةً تحت الشمس وعمالَ صيانةِ الطرق وغيرهم من الغرباء وكأنه يومٌ آخر بالنسبة لهم!

بالطبع لم أكتشف البارود، ولكن كلما مررت بهم تحتَ حرارةِ الشمسِ التي تثقب الرأسَ سألت نفسي: هل من الممكن أن يعمل ابني أو ابنُ جاري في مثلِ هذه الأعمال وتحت هذه الظروف التي لا يعمل فيها إلا المضطر؟ أنا بكل تأكيد لا أعرف الجوابَ وأستطيع أن أجيبَ بنعم ولا! نعم، كان هذا في الماضي بما يعني أن بذرةَ العزيمةِ موجودة حيث كان العاملون وخصوصاً في أشهرِ الصيف يعملون تحت الشمسِ في كل مجال، في النخيلِ وفي الزراعةِ وفي البناء وفي أعالي البحار، وفي كل ما يحتاج يداً عاملة صغاراً وكباراً، لم تتوقف الحياة والناس عن العملِ بانتظارِ أن يأتي الربيعُ والشتاء. تكون إجابتي ”لا“ من قراءةِ الحاضر الذي لا يوجد فيه إلا قلةٌ من غيرِ الغرباء هم من يستطيع أن يتحملَ مشقةَ بعضِ الأعمال التي من الواضحِ أنها لن تسيرَ نحو إحلال مواطنينَ بدلاً منهم.

كم كان يسرني ولا يزال عندما كنت أعمل في إدارةِ حفر الآبار في شركةِ أرامكو بحثاً عن النفطِ والغاز في البر والبحر تحت ظروفٍ لا تقل قساوةً عن حرارةِ هذه الأيام رؤية كثيرٍ من المواطنين يحصلونَ لقمةَ عيشهم من الكدِّ الكريم فوق منصاتِ وأبراج الحفر، يعملون فيها وبكل كفاءة، في أمثلةٍ يجب أن يحتذي بها من يهرب من حرارةِ الصيف نحو الكسلِ والنوم من الشباب. ليس في هذا القطاع فقط ولكن في قطاعاتٍ عديدة وفي ظروفٍ مشابهة هناك نياشين وأوسمة من الفخرِ والإعتزاز بالنفس.

كيف ننفخ نارَ الإرادةِ والعزيمة في مجتمعٍ ما ليقومَ بعملٍ ضروري قد تجبره الظروفُ الزمانية والمكانية على أن يؤديه؟ هل من الممكن أن يجلس أحدنا تحتَ الشمس وفي الحر لساعاتٍ طويلة من أجلِ أن يبيعَ شيئاً بسيطاً أو يعملَ عملاً ما؟ طبعاً بالنسبة لي تسهل الإجابة لأنني متفرج وخارج نطاق اليد العاملة ولكن الجواب ربما يكون ”لا أعلم“.

بكل تأكيد لن يتغير الطقسُ والمناخ في المدى المنظور ولكن تتغير الحاجاتُ وتتغير الإراداتُ والعزائم تبعاً لتغير للحاجات، وفي كل الأحوال تحية لمن يعمل تحتَ الشمس سواءً كان قريباً أو بعيدا، لأنه يقوم بعملٍ لا يقوم به كثيرٌ من الناس في كثيرٍ من المجتمعات والدول نيابة عمن يعتكف أو يستنكف من العمل مقابل أن يحسن ظروف عيشه. لن يأتي يومٌ تقوم أمةٌ بكل أعمالها دون الحاجةِ لغيرها، تحيك ما تلبس، وتزرع ما تأكل، وتبني ما تسكن، ولكن كلما استطاعت أن تمتلك أياًّ من مقوماتِ القوةِ الذاتية فسيكون مصدرَ فخرٍ لها ومصدر دخلٍ في آنٍ واحد.

مستشار أعلى هندسة بترول