آخر تحديث: 10 / 12 / 2019م - 4:50 م  بتوقيت مكة المكرمة

أنا منهم؟

حكاياتُ الأمهاتِ لا تنتهي فهنَّ أسُّ كل إلهامٍ في الغالب وهنَّ أسُّ كل تيهٍ وضياعٍ في الحياةِ على الأغلب. كانت أمي تعطينا قائمةَ أسماءٍ غيرَ مكتوبةٍ بمن نصاحب ومن لا نصاحب، ولم تكن أمي من الأمهاتِ التي كنا نستطيع أن نرفضَ لها طلباً. وأنا الآن عندما لامستُ خريفَ العمر عرفتُ شيئاً من فِراستها حكمتها وبعد نظرها في الأصدقاءِ وتأثيرهم على شخصيةِ المصاحب.

لا يهم إن كنت أرسطو فإن صحبتَ بليداً لن يصبح البليدُ أرسطو ولكنك ”أرسطو“ سوف تصبح بليداً، وقس على ذلك كلَّ صفاتِ القبحِ والجمال التي يخرج من قائمتها الأنبياء ليس إلاَّ! بساطةُ المنطق تقول من الأسهلِ للتفاحةِ أن تسقطَ نحوَ الأرضِ بفعل الجاذبية من أن تطيرَ في الهواء بفعل الرياح. وهكذا في البشر إذ أنَّ قدرةَ صفاتِ السلبِ تفوق قدرةَ صفاتِ الكمال في جرِّ الصديق نحوها. فَكِّر في الأمر جيداً وانظر نحو أيام الصبا وعُدَّ أصحابك واحداً واحداً! سوف ترى أن الطفلَ الشقيَّ كان يصاحبه معظم الأطفال، يركضونَ نحوه ويعتبرونه مصدر إلهامٍ في الشقاوةِ والظرافة، ويبتعدونَ عن المبدعِ لأنه يزعجهم، وفي أغلبِ الأحيان يغارون منه!

نصيحةُ العقلاء ومنهم أمي كالتالي: اجعل بينك وبين طَيِّبِ الأصدقاءِ حاجزاً من الهواءِ الشفاف الذي لا يمنع ولا يحجز شيئاً من الأسرار، روحٌ واحدةٌ في عدةِ أجساد وهذا قليل. وبينكَ وبين الرديء منهم جداراً متيناً لا يمر منه الهواء ولا تُرى منه الصورة، أجسامٌ مختلفةٌ وأرواحٌ متعددةٌ وهذا قليل، واترك بينكَ وبين معظم الناسِ حجاباً من ستارةِ قماش يروح ويأتي. متى ما أردتَ منعَ الريحِ أسدلتَ الستار ومتى ما طابت الريحُ رفعتَ الستار، وحين تكون المشاهد خلف الستارِ جميلة أبقيتَ الستارَ مرفوعاً.

لم يخطئ من قال: ”قل لي من تصاحب أقول لك من أنت“، وكما يقول المثل الإنجليزي ”الطيور ذات الريش المتشابه تحلق سوياًّ“. وأنت إذا أردتَ، كأبٍ أو أم، أن تنظرَ من نافذةِ الاستشراف لترى أين سيكون ابنك في الدينِ والدنيا ليس عليك إلا قراءةَ أسماء أصدقائه المفضلين لديه. ونصيحتي لك أنَّ من يدفع فاتورةَ تكاليف الحياة له حق المشاركة في كتابةِ قائمةِ الأصدقاء كما فعلت أمي!

ليس الصغار فقط هم من عليهم أن يحسنوا اختيارَ الصديق، بل نحن الكبار نحتاج أن نعرفَ كيف نختار من يصنع من روحنا وعزيمتنا صخرةً صلبةً، ويأخذنا نحو التلةِ في سنواتِ عمرنا الذهبية التي نعود فيها صغاراً وليس بيننا أمهاتنا لتختار لنا قائمةَ الأسماء. في خريفِ أعمارنا نحتاج من يشحذ هممنا ويدفعنا لنعيشَ أطول ولنعيشَ أفضل أيضاً، سنواتٌ ربما كان الصديقُ فيها أثمنَ من العائلة!

مستشار أعلى هندسة بترول