آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

شجرةُ آدم ونهر طالوت

مشكلتي أنا الإنسان هي إرادتي وعزمي! أريد كلَّ شيءٍ الآنَ الآنَ وليس غداً، هاتها يا ساقي. حكمتي في الحياةِ هي ”طائرٌ في اليدِ خيرٌ من عشرةٍ طيورٍ فوق أغصان الشجر“، وعالجهَا بالقطعِ إن كانت تبرأ بالكي. سكنَ جدي آدمُ وزوجهُ الجنةَ وكان عليه ألا يقربَ شجرةً واحدة، لكنه قاربها ولم يجد عزماً يمنعه منها. فَصَلَ طالوت بجنوده وقال للجنود: [إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُم بِنَهَرٍ فَمَن شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ ۚ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلًا «البقرة 249»]"، حتى وصلتني النوبةُ وكنت امتداداً لهذهِ الأعراق البشرية، أريد لذتي وطلبتي الآن الآن!

عندما كنتُ صغيراً أبكي من أجلِ قطعةِ حلوى وأمي تطلبُ مني السكوتَ وتعدني اثنتين في المساء إن صبرت، لكن هيهات فأنا أريدُ الحلوى الآن وليس في المساء. في كل فصول حياتي بقيت طفلاً، لو انتظرت جائزتي وصبرتُ عليها قليلاً لكان نصيبي من الجائزةِ أروع، في المدرسةِ وفي العملِ وفي المالِ وفي علاقةِ الحب التي جمعتني مع غيري وفي السجداتِ التي اسجدها مع وعدٍ من اللهِ أن كلَّ حسنةٍ أفعلها الآن أتقاضَا أجرها عشراَ مؤجلة، لكن هذه هي محنتي منذ بدأ الخليقة، لا صبر ولا عزيمة!

لولا قلةٌ من البشر تمكنوا من لجمِ إرادتهم وزيادة جرعة صبرهم لم يكن بين الناسِ أنبياءَ ورسل يهدونهم للفضائل، ولم يكن بين الناسِ مكتشفون ومخترعون أحالوا صحاري الحياةِ أمكنةً يعيش فيها الناس، أصبحت المسافاتُ قريبة وتمكن الناسُ من العيشِ برفاهية. ولولا قلةٌ من المربين صبروا على أولادهم وبناتهم لم تتمكن المجتمعاتُ من غرسِ القيمِ بين الأجيالِ المتعاقبة.

ماذا لو فقدنا العزيمةَ عن الامتناع عن فعل الخير، لا نستطيع أن نسمعَ صوتَ محتاجٍ إلا أعطيناه ولا نسمع صوتَ مستغيثٍ إلا أغثناهْ؟ ولا نصبر عن علمٍ إلا تعلمناه؟ أقرب إلى الحلمِ من الحقيقة! علينا كلنا ألا نأكلَ من شجرةِ آدم ولا نشربَ من نَهَرِ طالوت! ولكن إذا لم نستطع النهوضَ سريعاً نحو الفضيلةِ فبكل تأكيدٍ يمكننا القعودُ برهةً والصبرَ عن الرذيلة. لو تمعنا في أسِّ تخلف المجتمعات اليوم فكلها يكمن في الصبرِ والعزيمةِ والإرادة. اعطني مجتمعاً وأمةً فيها هذه الصفات وأنا أقول لك هذه أمةٌ سوف ترفرف في الفضاء.

مستشار أعلى هندسة بترول