آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 6:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

تُنسى كأنَّكَ لم تَكُنْ

رائدة السبع * صحيفة الرأي السعودي

كم عدد المرات التي نسيت فيها موعدًا مع أحدهم أو جرعة مضادك الحيوي؟، تقول الرواية: إن أحد الأزواج استشاط غضبًا حين ذكرته زوجته بقائمة الأعمال التي تم تأجيلها منذ أسبوع، بحجة أنه وعدها بذلك ويحتاج للتذكير كل سبعة أشهر فقط.

هذه الزوجة محظوظة إذا ما قورنت بالحبيبة الأولى لصديقنا المهندس الذي كان يتجول في إحدى الصيدليات في مصر، عندما توقفت امرأة لإلقاء التحية ولم يتعرف عليها حتى بعد نفض الغبار المتراكم في ذاكرته، وبعد فشل محاولاته أخبرته أنها «رشا» الحب الأول الذي حارب لمدة خمس سنوات، قبل أن يعلن استسلامه ويهاجر وحيدًا، هذا يؤكد مقولة «ألبير كامو» إنه لا يوجد في هذه الحياة ما يستعصى على النسيان ولو كان حبًا عظيمًا.

تُعرف الذاكرة أنها وظيفة تتمثل في استعادة الأحوال الشعورية السابقة في الحاضر، وذلك حسب الحاجة، ويقابلها مصطلح النسيان، أي عدم القدرة على التثبيت أو الاحتفاظ بالخبرات والحوادث السابقة، مفهوم النسيان لم يعد مشكلة بل حقيقته التي شكلت محور نقاش الكثير من الدارسين، حيث عبر عنه أنه «آفة الذاكرة».

في حين أكد البعض الآخر أن من غير المعقول أن يحتفظ الإنسان بكل الذكريات، وإلا بقي في الماضي ولم يتطور، بالتالي يعتبر النسيان شرطًا من شروط سلامة الذاكرة، ولك أن تتخيل كيف لذاكرة ممتلئة أن تتلقى معلومات جديدة دون مسح المعلومات القديمة، هذا ما يحدث لبعض العقول التي تقاعدت مبكرًا.

ومن نظريات النسيان التي أؤمن بها كثيرًا وأعتبرها أسلوب حياة «فلترة الأمور المؤلمة» نظرية التحميل النفسي لـ «فرويد»، وهي ميكانزم دفاعي يستخدمه الفرد في خفض التوتر الشعوري عن طريق نسيان بعض الحقائق الخاصة أو الذكريات، ولكن تبقى هناك زاوية في الذاكرة يكون العبث فيها خطيرًا، فهي تحمل وجعًا نائمًا نحاول نسيانه أو تخطيه.

السؤال المهم: هل نحن قادرون على ممارسة فعل «تصفية الذاكرة» فنبقي الجميل منها ونرمي المرّ أم أننا محكمون فيها بقية العمر؟.

العلم يحسم ذلك: الذكريات الجميلة سهلة النسيان أكثر من تلك المرّة، وهذا ما أثبتته الدراسات والأبحاث العلمية، التي أعادت السبب إلى أن الإنسان يتذكر الألم أكثر من الفرح كوسيلة لحماية نفسه من تكرار التجربة القاسية مرّة أخرى.

أخيرًا، هناك وصفة سحرية عند الأطفال يشتركون بها مع الحكماء، وهي الانتقال من شيء إلى آخر، دون تفكير أو اعتبار، إنها هبة النسيان والتجرد.

إذن أنعشوا أدمغتكم بالذكريات الجميلة ولا تهملوا الحاضر من أجل الماضي أو المستقبل، وتذكروا أن ترفضوا أدوار الضحايا، وفعلوا زر الامتنان بدلًا من التركيز على الأحداث السيئة، دامت ذاكرتكم مليئة بما تحبون.