آخر تحديث: 22 / 10 / 2019م - 4:41 م  بتوقيت مكة المكرمة

وعاظ يوم الأحد

كان التلفاز وسيلةً رخيصة تعلمتُ منها كثيراً من الكلماتِ والجُمل الإنجليزية عندما كنت طالباً قبل الانضمامِ للجامعة. لم أشتري باقةَ البث التي تصل المنازل عن طريقِ الخطوط الأرضية لأنها كانت تكلف حوالي عشرين دولاراً في الشهر، إذاً كان لزاماً عليَّ أن أقتصرَ على مشاهدةِ القنوات الرئيسية التي تصل المنازل مجاناً.

لم تهتم تلك المحطات في الثمانيناتِ بالعالمِ الآخر خارجَ أمريكا سوى دقائقَ معدودات في نشرةِ أخبار الساعةِ الخامسة مساءً، وبالإضافة لهذه الدقائق كان يستهويني حصتان هما: مشاهدة جولاتِ المصارعةِ الحرة التي يتظاهر فيها رياضيونَ أقوياء بالعراك والصراع الذي يأخذه الحاضرونَ في العرضِ محمل الجد، وتعلو أصواتُ الحاضرين بالصراخِ والشتائمِ أو الكلام الودود. والفترة الثانية في صباح يوم الأحد حين يبدأ الوعاظ في الكنائسِ يبثون المعاجزَ والوعظَ، يطلبونَ من الناسِ الإيمانَ بالمسيح ”الرب“، مما يقتضي تداخلاً مع الحضور في الكنيسة والقيام ببعضِ الحركات الاستعراضية التي تجعل من الوهمِ حقيقةً يستخدمها الواعظ لبث روحِ الحماس في الجالسين والمشاهدين وزيادةَ إيمانهم وحضورهم الكنيسة، وفي نهاية يومِ الأحد لابد أن تربح الكنيسةُ والواعظ!

ومع أن الواعظين كان من المفترض أن يكونوا أمناءَ يدعونَ للفضيلة، كنا نقرأ عنهم وعن عوائلهم بين الفينةِ والأخرى أنهم اتهموا بقضايا أخلاقيةٍ ومالية تُبث على الملأ ويدخلون على أثرها السجن، لكنهم سرعان ما يعودوا للوعظ بعد السجن، ويعود الناس صباح يوم الأحد ناسين ماضيهم المرير. كان بعض الوعاظ يَدَّعون رؤيا المسيح الذي يأمرهم بالقيام بأعمالٍ تطوعية مثل بناءِ المستشفيات والجامعات ومراكزَ البحوث التي يشارك في تمويلها الناس، لكنها تحمل أسماء الوعاظ. في حلقاتِ الوعظ يلبس الواعظ خواتمَ الألماس وبِدلاً من الحرير وأحذيةً من جلودِ الحيوان الثمينة، بينما الكثير من الحاضرين يلبسونَ ملابسَ رخيصةَ الثمن!

من المؤكد أن بيعَ الوهمِ واستغباءَ الأتباعِ بهدف الحصول على ميزاتٍ نشاطٌ يعبر القارات ويشترك فيه كثيرٌ من المجتمعات وليس مقتصراً على يوم الأحد. لا بدّ أن لمعانَ الذهب وخفق الأحذية يدفع الكثيرَ من الناسِ للاستزادةِ منه دون الإكتراثِ بالقيم التي يعرضونها للسقوط. وفي الجنبة الأخرى الكثير من الناس لا يمانع من الجلوسِ في مقعد الحافلة الخلفي دون أن يعلمَ أو يكترث من يقود الحافلةَ وأين يأخذ السائق الحافلة.

لك أن تقرض مالك وما تملك لغيرك فإن كان ذا خلقٍ سيرده إليك، لكن لا تقرضه عقلك فإنه لن يعيده لك كما كان. ومن الغرابة أننا لا نقرض المال لمن لا نعرف ونطلب ضمانَ السداد ممن نعرف، لكننا نهبُ عقلنا لمن أرادَ دون ثمن! لا بأسَ أن يأخذ عقلنا الرياضي، ولا بأس أن يأخذ عقلنا الحب، ولكن حذارِ من الوجعِ عندما يأخذ عقلنا من يلبس القناع.

مستشار أعلى هندسة بترول