آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 6:14 م  بتوقيت مكة المكرمة

الثور والبستاني

من أقدمِ أدوات حراثة الأرض قبل الثورة الصناعية وقبل ظهور المعدات الزراعية الحديثة كان ظهر الثورِ والحمار. ومع أن التعب يكون لهذين الحيوانين في حرثِ وتجهيز الأرضِ وجني المحصول بعد الزرع إلا أن المزارعَ كان يقسو عليهما فلا يكفيه ثقل المحراث الذي يجرانه منذ طلوع الشمسِ وحتى مغيبها، بل كان يضرب المثل بهما في الغباء وقلة العقل، فإذا ما غضب من شخصٍ ما ناداه باسم الحمار أو الثور، وكان المزارع يقدم لهما القليلَ من محصول البستان والزرع فيعطي الحمارَ البرسيم الرخيص ويعطي الثورَ قشورَ الذرةِ والحنطة، ولا ينفك الحمار والثور يحرثان الحقل مع قلةِ وفاء الإنسان الذي عندما يعثر الثور يذبحه وعندما يضعف الحمار يطرده دون التزام. بالطبع لا يدرك الثورُ أو الحمار قيمةَ العمل فلو تركهما المزارع دون رباطٍ بعد يوم من العمل فلربما أكلا ما يستطيعان أكله وقامَا بتخريب كل ما تعبا في زرعه.

يحكى أن رجلاً زار صديقه في مزرعته فرأى الحمارَ الذي يجر المحراثَ ضخماً بارز الأطراف فسأله: كم تصرف على الحمار من أجلِ قوت؟ قال الرجلُ: عشرينَ ديناراً، فقال صاحبه ماذا لو أعطيته بخمسة عشر ديناراً ووضعت الخمسةَ الدنانير الباقية في جيبك؟ استحسن الرجلُ رأي صديقه الذي زاره بعد مدةٍ وأعادَ عليه ذات السو?ل ونصحه أن يختصرها لعشرة دنانير ويجني أكثرَ من المال. وهكذا زاره مرةً أخرى وقد بدت عظامُ الحمار وبأن عليه الهزال، ولكنه نصحه أن يعطيه علفاً بخمسة دنانير، وبعد مدةٍ زاره ولم يجد الحمار ولما سأله قال: مات الحمار!

كان الثور والحمار مصدر الغنى والثروة وبدونهما لم يوجد بستان أو زرع، وفي وقتنا أصبحَ الإنسان بفكرهِ ويده قبل الآلة هو مصدر الثروة والمال. يجب ألا تكون علاقة العامل ورب العمل تشبه علاقةَ المزارع بهاتينِ الأداتين فيكون نصيبه الإهمال ولا يحصل على ما يكفيهِ من الدخل الذي يعطيه دفعةً أقوى من النشاط كي يحرثَ الحقل ويرمي البذور ثم يجني المحصول الذي يحتفظ رب العمل والشركة بالنصيب الأكبر منه. يجب علينا الحفاظ على الركائز التي نعتمد عليها من إنسانٍ وآلة، لكن يبقى الإنسان هو المبدع الذي مهما تقدمت الآلة فلن تستغني عن فكرهِ وكلما أغلقت الآلةُ على الإنسانِ باباً واحداً من العملِ اكتشف بجمالِ فكرهِ عدة أبواب.

مستشار أعلى هندسة بترول