آخر تحديث: 18 / 10 / 2019م - 7:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

فنجان قهوة / 3

من طرائفِ الماضي حين لم يكن في دارنا كهرباء كان حلولُ الظلامِ يحملُ بعضَ المتاعب ومنها إشعال المصباح الذي علينا أن نضغط الوقود بالهواء حتى يصير الفتيلُ أبيضاً ثم نُشعل النارَ فيه، وقبلَ أن ننامَ لا بد أن نجمعَ الدجاجَ في الحظيرةِ الصغيرة. إن كنت تظن أن اصطيادَ طائر الدجاجِ في الظلامِ سهلاً فبالتأكيد أن منظري وأخوتي نجري خلفها وهي تطير وتحط إلى أن تتعب ونتعبْ من الجري ونصطادهَا لنضعهَا في القفصِ الذي يحميها من القطط كان ليقنعك بأنها ليست سهلة! من لا تدخل القفص من الدجاجاتِ تنام على وجلٍ فوقَ جريدِ الحظيرة خوفاً من القطط التي قد تأكلها أو تأكل صغارها، وفي المثلِ الغربي يقال أنَّ السيطرةَ على قطيعٍ من القططِ أكثر صعوبةً من السيطرةِ على أي جمعٍ من الحيواناتِ الأخرى.

لكن مهلاً! ودون تحيزٍ لأبناء جنسنا من البشر، ألا ترى أن انتظامَ البشرِ لا يختلف كثيراً عن انتظامِ الدجاجات عندما يغيب من يرغمها على دخولِ القفص وهي تتهرب من تلك العملية، مع أن الفرق بين الدجاجِ والبشر أنَّ البشرَ يعرفونَ المنافعَ والمضارَ الناتجةَ عن أعمالهم ويدركونها ولا يعرف الدجاج عواقب أفعاله؟ ماذا لو فقط كان علينا تجهيز الأماكن وعندما يحل الظلامُ تنتظم الدجاجاتُ في خطوطٍ مستقيمة دون تدافعٍ وتدخل حظائرها وعند بزوغِ الفجرِ ترفس واحدةٌ منها المزلاجَ وتفتح البابَ للخروج، فهل يبقى فرقٌ بينها وبين البشر في هذه الجزئيةِ من المعرفة؟ بل قد تتخطى الدجاجاتُ حدودَ تطبيقِ المعرفة بالمضارِ والمنافع أبعد مما يتخطاه بعضُ البشر!

هل لاحظتَ كيف يتصرف الناسُ في غيابِ سلطةِ الكهرباء وفي غياب ألوان الإشارة الضوئية؟ تنص قوانينُ المرور على أن الأفضليةَ في المرور لمن هو قادمٌ من اليسار ولمن هو يسير في خطٍّ مستقيم، لكن كيف لا تُفَعَّل هذه المعارفُ البسيطة في غيابِ سلطة الضوء؟ وهل لاحظتَ في وجود آلات تصويرٍ عند الإشارةِ الضوئية كيف ينتظم الناسُ وكأنهم من كوكبٍ مثالي وعندما تغيب سلطةُ الصورةُ الآلية يعودونَ إلى غرائزهم في مخالفةِ النظام؟

الفارق الحقيقي بين الإنسان وغيره هو امتلاك رقابةٍ ذاتية، ربما ليست أصلية ولكنه اكتسبها وتعلمها، تحميه وتمنعه من مخالفةِ القانون الجمعي والإضرار بنفسه وغيره. وعندما ترى مجتمعاً أكثرَ انتظاماً لا بد أن ينعكسَ هذا الفرق على مقاييسِ الأداءِ والتقدم والسعادة التي يمتلكها المجتمع والأمة. بكل تأكيد، ليس هناك مجتمعٌ أو أمةٌ متكاملة الفضائل في غيابِ الرقيبِ الخارجي إذ أنَّ الإنسان يبقى إنساناً أينما حل ولكن بعض المجتمعاتِ والأمم وصلت إلى مرتبةٍ أعلى من الرقابةِ الذاتية ولو في بعضِ السلوكيات!

مستشار أعلى هندسة بترول