آخر تحديث: 23 / 8 / 2019م - 4:57 م  بتوقيت مكة المكرمة

أراضٍ لا نعرفها

كلنا بدأنا مغامرينَ في أولِّ خطوةٍ خطوناها بعد أشهرٍ قليلةٍ من ولادتنا. حاولنا الوقوفَ فاهتزت أقدامنا من الخوفِ وسقطنا المرةَ تلوَ الأخرى، ومع أننا كنا قريبينَ من الأرضِ لكن مسافةَ السقوطِ بدت كأنها البعد بين الأرضِ والسماء، ثم يا الله! كم كان جميلاً عندما اتزنت تلك الخطواتُ وجرينا مسرعين.

أكملنا مشوارَ الحياة، ابتهجَ الكثير وارتاحوا لأن يكونوا أناساً عاديينَ تطلع الشمسُ ثم تغيب وكل المغامرة أن يمر اليومُ دون عناء، ثم الشهرُ ثم السنة ثم العمر. وبقي القليلُ مغامرون ينطونَ من قمةٍ لأخرى وإن وقعوا في سهلٍ أو حفرة قفزوا منها ثانية، ولا يهم كم يؤلم الجراح! لكنهم عندما يصعدونَ القمم يشمونَ الهواءَ أنقى ويرون الصورةَ من تحتهم أشملَ وأجمل.

كلنا غامرنا عندما كذبنا أول كذبةٍ لنا رجاءَ أن يصدقها آباؤنا وننجو من العقاب، غامرنا في كلِّ فصولِ المدارس ولم نحفظ كلَّ الكتب والمعادلات، كل ذلك رجاءَ أن نحفظَ القليلَ جيداً ويكون فيه الامتحان، وغامرنا في كل شيءٍ بعدها تقريبا. كيف انقسمنَا إلى فريقين؟ هل هو قدرنا أم نحن صنعناه أم هم من حولنا سقونا الكأسَ مُرة تارةً وعذبةً تارةً أخرى؟ ربما هو خليطٌ من كل تلك الاحتمالات أوصلنا حيث نحن، ولكن وقود الاحتمالاتِ يشعله أهلنا فينا ثم نحن نعتني باللهبِ، والقدر يقول: امشوا واصنعوا ما أردتُ لكم. 

عقلنا الذي يشغل حيزاً في رؤوسنا يحاول حمايتنا من أنفسنا ويحسب المخاطرَ بدقةٍ حتى لا نصاب بأذى، وفي هذه الحسابات العقلانية يفوتنا الكثير من النجاحِ الذي لا يمكن للعقلِ أن يرضى به. هنيئاً لأولئكَ المجانين الذين لا يُنصتون لكل ما يقوله لهم عقلهم أو عقولُ غيرهم عن المصاعبِ التي سوف تعترض طريقهم ومسيرتهم نحو أهدافهم التي رسموها على عجلٍ دون أن يخنقوهَا بالتحليلِ والتنظير.

عندما مشينا خطواتنا الأولى عرفنا أن لكلِّ معضلةٍ حلاً إلا الموت، وما دون ذلك من المعاناةِ سوف نتمكن من اجتيازها بخليطٍ من العقلانية والجنون، ويبقى سر النجاح في كميةِ العقل التي نمزجها بالجنون أو كمية الجنون التي نمزجها بالعقل حتى لا نموت! إن كان عندك من هؤلاء الصغار المجانين من يحاول الإمساك بالقطةِ من ذيلها فلا تمنعه، إذ ربما في المرةِ التالية هو من سوف يمسك بأذيالِ الأُسود.

الخروج من منطقة الأمان التي نتحزم بها ونبنيها يشبه خروجنا من أراضٍ اعتدناها إلى أراضٍ لا نعرفها، نخشى أن تطأها أقدامنا وسرعان ما يأتي طوقُ الأمانِ مرة أخرى حين نعرف معالمها وحدودها ومخاطرها، ثم الرحيل إلى أرض غيرها، وكلما طال مكوثنَا فيها صعب علينا الظعن منها، هكذا تتجدد الحياةُ في الإنسان ويتجدد الإنسانُ في الحياة.

مستشار أعلى هندسة بترول