آخر تحديث: 16 / 6 / 2019م - 11:47 م  بتوقيت مكة المكرمة

الذات الحرة

رجاء البوعلي * صحيفة الرأي السعودي

إن الحرية كرواية تبدأ أحداثها بمشهد افتتاحي، أما النهاية فتبقى مفتوحة، لماذا يا ترى؟ الذات وحريتها، الفرد والجماعة، الأفراد بعضهم ببعض.

إنها المدارات التي تحوم حول الفرد وتربطه بما حوله من مجتمعات إنسانية تحمل ثقافاتها المختلفة ونظامها السياسي ومرجعيتها الدينية، وهذه العناصر المتداخلة في حياة الإنسان هي ما يزيد تحقيق الحرية تعقيدًا وتشابكًا.

أولًا: الذات الحرة، معنى مازال ملتبسًا لدى كثير من الناس بسبب الإرهاصات ضد حرية الأفراد، فعلى مستوى المجتمعات النامية كمجتمعاتنا يظل شعور الحرية الذاتية مبعثرًا ومذبذبًا، فما بين حرية الفرد في بيئة العمل باعتباره سيد المواقف التي يواجهها والقرارات التي تستلزم إجراءً مباشرًا، تغيب كل مهاراته في البيئة العامة خارج العمل، وكل ما كان يتصداه لوحده، أصبح هناك من هو مسؤول عنه ليقوم بدور الراعي، وهذه الحالة تعكس مدى تضعضع مفهوم الحرية والثقة والمسؤولية التي ترتفع في ظرف ما وتنحدر في آخر.

ويأتي انعكاس هذا التأرجح على الفرد والمحيط، فالقلق الأبوي مثلًا قد يزول تلقائيًا بتغيير المكان، وهذه فارقة تُنبئ بعدم إدراك مكانة الفرد التي دائمًا ما تكون ثابتة في المركز لتدور حولها بقية الأشياء.

من جهة أخرى، تُعزَز «الازدواجية» في شخصياتهم، ليس رغبةً منهم بل رغمًا عنهم كنوع من الاستجابة للمؤثرات الخارجية، وبالتالي، يمكننا الاعتراف بأن تعدد الأوجه للفرد الواحد ما هو إلا نتيجة لقمع حريته الفردية في إظهار ذاته الأصلية، والتي قد تكون أنقى من الصورة المُرغم على تصنعها.

إن إتاحة المجال لحريات الأفراد - برغم تعدديتها المفرطة - إلا أنها تعطي صورة أقرب للوضوح وهذه فضيلة بحد ذاتها، فالأبيض أبيض، والأخضر أخضر، والأحمر أحمر، ليس المهم أن نوافقها أو نرضى عنها، فالأرض أوسع من مد أبصارنا ولكن يكفي أن نعرف من نحن كأفراد أحرار.

وهذه المكاشفات الناتجة عن حرية الأفراد، لن تخدعنا بالقدر الذي يفعله قمع الحريات، بل ستدفعنا لنعرف وجوه بعضنا البعض دون مساحيق، وقد نبتعد من البعض بينما نقترب ممن تجمعنا بهم الكيمياء وهذا هو السير العادي في عالم متعدد المشارب وطبيعي بالاختلاف.