آخر تحديث: 24 / 8 / 2019م - 12:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر العافية: 9 - تأثير الإنترنت على القراءة

محمد حسين آل هويدي *

بسم الله الرحمن الرحيم - اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ «1» خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ «2» اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ «3» الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ «4» عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ «5» كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَىٰ «6» أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَىٰ «7»... - صدق الله العظيم - العلق.

الإنسان مغرور لأنه يظن أنه في غنىً ليس فقط عن عباد الله ولكن حتى عن نعم خالقه الكريم، ولا يعلم أن العلم الذي توصل إليه مجرد جزء قليل من العلم أتاحه الله لعباده عندما يجدّوا ويجتهدوا في طلبه. الإنسان وغطرسته ليس محور حديثنا، ولكن التأثير السلبي للإنترنت على القراءة؛ طالما القراءة المصدر الأساسي للتحصيل العلمي واتساع الآفاق وتغذية العقل ولما لها من آثار إيجابية على المرء، في أغلب الأحيان طبعا لأن قراءة بعض الكتابات المتعجرفة تضر ولا تنفع.

في العصر الحديث، الكثيرون يتنصلون عندما تسألهم من القراءة ويتهمون قلّة الوقت لقضاء وقت ممتع مع كتاب نافع «خير صديق». ولا شك أن أكثر وقت المرء يضيع بين صفحات الإنترنت وأدوات التواصل خلال الأجهزة المحمولة. القراءة تتطلب وقتا وتركيزا. على النقيض، الإنترنت تضيع الوقت وتشتت التركيز أثناء القفز بين رابط وآخر ومن خلال منبهات التطبيقات المختلفة التي تقفز من مكان إلى آخر؛ عندك رسالة من فلان، اتبع هذا الرابط لتربح سيارة، أنا أريد التعرف عليك،... الخ. هناك من يظن أن متابعة هذه المشتتات في نفس الوقت أمر جيد ويجعل المرء أكثر كفاءة. ولكن هذا تصور خاطئ لأن كل الأمور المهمة بحاجة إلى تركيز، وهذا ما يفتقده متصفح الإنترنت بسبب ديناميكيتها وليونتها مما يُسَهِّل سوء استخدامها.

هذا المشتتات غيّرت طبائع المستخدم حيث لم يعد يقرأ لكي يستوعب لأنه في الغالب يندفع من مكان إلى آخر ماسحا المعلومات بسرعة لا تسمح لها بأن تركز في الدماغ الذي يحتاج إلى وقت لتستقر فيه المعلومات. للدماغ ذاكرتان؛ لحظية وطويلة. المعلومات في البداية تبدأ لحظيا وبحاجة إلى وقت لكي يقوم الدماغ بتخزينها، ولكن ما أن يبدأ معالج الدماغ بنقل معلومة من الذاكرة اللحظية إلى المخزن الدماغي حتى يتم إرباكه بمعلومة أخرى أسرع من الوقت الذي يحتاجه للتعامل مع الأولى، وهذا يجهد الدماغ كثيرا، أكثر مما يتصور المرء.

عصر المعلومات يسعم «يسير بسرعة» ونحن نلهث وراءه ولكن لا طائلة لأننا محدودون بطاقة معينة لا يمكن تجاوزها. بعض سيارات السباق السريع بحاجة إلى تغيير إطاراتها بعد عدد معين من اللفات كيلا تنفجر، والطمع في المزيد من السرعة والمواصلة دون الوقوف لتغيير العجلات يؤدي إلى عواقب وخيمة.

أصبح المرء ينظر إلى هاتفه الذكي في كل حين؛ حتى وإن كان يمشي من حجرة الانتظار إلى موعد. يقول، سأطلع على هذه المعلومة وسأرد على فلان وسأرسل هذه النكتة إلى علان. هذا النمط من التعامل مع العصر يضطر المستخدم للاكتفاء برؤوس الأقلام بعيدا عن التفاصيل التي تعشعش فيها الشياطين. الشيطان يغالب الإنسان، لذلك يبدأ المرء بتحريك دماغه ليغوص أكثر فأكثر ليطرد ذلك الشيطان اللعين من رأسه.

هذه المشتتات تسلب روح الإنسان وتسرق وقت أسرته وأحبائه وتعطل أموره، وزيادة على ذلك تؤثر على تشكيلات وتركيبات العصبونات وتغيير نشاطات الدماغ والتأثير على مكامن العلميات؛ إلى الأسوأ بالطبع. لذلك على المستخدم الحذر وعدم الانزلاق لأن الأمر يحدث تدريجيا حيث لا يعلم في أي حفرة يغوص إِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فيتبرأ منهم لاحقا إذا تورطوا حيث قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ. اليوم، يتم علاج الكثير من الأطفال من السمنة والسكري والاضطرابات النفسية بسبب التصاقهم بأجهزتهم.

الأبحاث الميدانية من خلال التعامل مع سائقي سيارات الأجرة وقبل وجود الخرائط الإلكترونية دلت على أنهم يحفظون الشوارع والأزقة بصورة دقيقة مما أدى إلى زيادة حجم ”قرن آمون“ في الدماغ «hippocampus»، وكان الأمر في صالحهم لأن هذا العضو الدماغي يتعاطى مباشرة مع التخزين الدائم في الدماغ ومهارات الملاحة والدراية بالمكان. هذا أعطاهم حينها ميزة وأفضلية على غيرهم من الناس؛ الآن، عرفت لماذا كانوا مثقفين ويحفظون الكثير من المعلومات. اليوم ومع التقنية، تغيّرت أحوالهم حيث سُلِبت منهم تلك المقدرة التي اكتسبها أسلافهم. خلل قرن آمون يؤدي إلى مرض الألزهايمر، مما يعني أن اعتماد سائقي سيارات الأجرة سابقا حصلوا على مناعة أقوى لمقاومة هذا المرض الكريه.

1. Sven Birkerts «2015». Changing the Subject: Art and Attention in the Internet Age. Graywolf Press.

2. Esther Heerema «2018». Statistics on Alzheimer's Disease: Who Gets It? https://www.verywellhealth.com/statistics-on-alzheimers-disease-98794

3. Ananya Mandal «2019». Hippocampus Functions. https://www.news-medical.net/health/Hippocampus-Functions.aspx

4. Dean and Anne Ornish «2019». Undo It!: How Simple Lifestyle Changes Can Reverse Most Chronic Diseases. Ballantine Books. https://www.goodreads.com/book/show/40130282-undo-it
سيهات - باحث في جامعة كولورادو ببولدر.