آخر تحديث: 24 / 8 / 2019م - 12:32 ص  بتوقيت مكة المكرمة

شهر ضيافة الله «9»

محمد أحمد التاروتي *

التطوع ثقافة قادرة على بعث الحياة في النفوس، وكذلك في المجتمع، فالتطوع بما يحمل من مضامين يجدد الحياة في الذات، ويشجع الاخرين على انتهاج المسلك ذاته، خصوصا وان النظرة الايجابية للتطوع تسهم في انتشار هذه الثقافة، فالتقدير والاحترام الاجتماعي يحدث اثرا كبيرا في النفوس، مما يحفز على اتساع الدائرة لتشمل مختلف الشرائح الاجتماعية.

احيانا يكون التطوع في العبادات، عبر الصدقة والنوافل، وغيرها من الاعمال العبادية التطوعية، المتعددة التي يحث عليها الاسلام ”وتصدّقوا على فقرائكم ومساكينكم“، باعتباره - التطوع - احدى الطرق لرضوان الخالق، وكذلك كونه رصيد للانسان في الاخرة، وأحيانا اخرى يكون التطوع بواسطة الاعمال الاجتماعية الخيرية، فهذه النوعية من الممارسات مطلوبة على الدوام، باعتبارها ممارسة كاشفة لبذرة الخير المغروسة في القلوب، مما يستدعي كشفها امام الملأ، وعدم الخجل في إظهار على الاطلاق، نظرا للانعكاسات الكثيرة في انتشار هذه الاعمال التطوعية في المجتمع.

توزيع وجبات الافطار يعتبر جزء أصيلا من اعمال الخير، ذات الاثر الكبير في اشاعة العمل الصالح في البيئة الاجتماعية، فهذه لا تقل اهمية عن اعمال الخير السرية، فالأولى تستهدف اخلاص النية والقضاء على هواجس الرياء، والابتعاد عن الاضواء التي تغري كثيرا، وتحدث في النفس بعض التباهي او التعالي، بينما الثانية تكرس العمل الجماعي والنزول الى المجتمع، وتحسس المعاناة او المساهمة في الاعمال ذات الاثر الجمعي.

فالتطوع بما يحمل من معاني كثيرة، لا يقتصر دوره على تقديم بعض المعونات المادية، او المساعدة المعنوية، بقدر ما يسهم في تكريس ثقافة التفاني والعطاء، وتخصيص جزء من الوقت، للمساهمة في بعض الاعمال، سواء كانت صغيرة او كبيرة، فالعبرة في دلالة العمل التطوعي، وليس في السقف الزمني الذي يستغرقه، وبالتالي فان العملية تستهدف ارساء قواعد ثابتة، قادرة على احداث تغييرات جذرية، في التفكير الجمعي، مما يؤسس لعلاقة مغايرة تماما، بمختلف الشرائح الاجتماعية.

النظرة الايجابية للتطوع تسهم في احداث اختراق كبير، في تنامي هذا العمل في البيئة الاجتماعية، خصوصا وان الثقافة السلبية لمبدأ التطوع تقضي على الكثير من الاعمال الخيرية، لاسيما وان التطوع يركز على العطاء بدون مقابل، فهو ينطلق من قناعات ذاتية، بضرورة تسخير جزء من المال والوقت، في سبيل خدمة المجتمع، فالعملية ليست مقتصرة على الشرائح المعدمة او المحتاجة، وانما تشمل مختلف الشرائح الاجتماعية، لاسيما وان باب التطوع واسع، ويستوعب جميع الاعمال الجليلة، والمفيدة للمجتمع، مما يساعد في تكريس هذه ثقافة العطاء، عبر انشاء العديد من المبادرات، ذات الفائدة الكبيرة على الجميع.

اطلاق العديد من المبادرات التطوعية، تعكس مستوى الوعي الاجتماعي، ويعطي صورة ايجابية بوجود ثقافة مسؤولة، لدى العديد من الفئات الاجتماعية، خصوصا وان التفكير في الاثار المترتبة على اطلاق هذه المبادرات، يدفع باتجاه السير في اخراجها من التفكير الداخلي، الى الواقع عبر المزيد من العطاء والكثير من العمل، بينما تموت العديد من المبادرات الخلاقة، بمجرد التفكير في حجم البذل الذي تحتاجها لترى النور، فهناك العديد من الافكار التطوعية الإبداعية، ولكنها ماتت بعد فترة من اطلاقها، نتيجة انحسار التفاعل الاجتماعي، وغياب العناصر القادرة على التضحية بالمال والوقت، مما ساهم في فقدان هذه المبادرات للقدرة على البقاء.

شهر رمضان فرصة لإشاعة العمل التطوعي، والتحرك الفاعل لتكريسه في المجتمع، فهذه الثقافة تمثل الوقود لمواصلة العطاء، وقطع الطريق امام الدعوات المحرضة، على الانعزالية، وعدم تقديم المساعدة، او اقتطاع جزء من الوقت، لتقديم بعض الخدمات المجانية، فالعمل الصالح لا يضيع على الاطلاق، ”أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى?“، ”مَن جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا“، وبالتالي فان وجود الارض الخصبة، عنصر ضروري لنمو البذرة الصالحة، بمعنى اخر، ان التطوع في شهر رمضان تارة يكون على الصعيد الشخصي، والاثر يكون ذاتيا ومحدودا، واخرى يكون اجتماعي والاثار تكون جماعية لفترة زمنية طويلة.

كاتب صحفي