آخر تحديث: 24 / 4 / 2019م - 10:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

تربية فلذات الأكباد

مهما قيل في تأثير العوامل المتداخلة المؤثرة في تربية الأبناء وخصوصا مع إطلالة وسائل التواصل الاجتماعي، فإن البيئة الأسرية تبقى الحصن الأول الذي يتلقى فيه الناشئة معالم ومفاتيح التعامل مع الظروف الحياتية وأسس العلاقات المستقرة، وهذه الأهمية تلقي بظلال المسئولية الملقاة على عاتق الوالدين في تنشئة أبنائهم على التسلح بالمعارف والقدرة على تحمل الصعاب وتخطيط الحياة وفق أهدافهم.

المسئولية الأسرية لا تقتصر على عطاء الوالدين المادي المتمثل بتوفير مستلزمات الحياة الكريمة وتأمين أعباء المنزل، فهذا جانب مهم ولكن الوجه الآخر هو الأهم وهو تحمل أعباء التربية والتوجيه، وهي مسئولية جسيمة تحتاج إلى متابعة وعمل مثابر وحوار هاديء مع الأبناء، ويتنصل البعض من تحمل هذه المهمة الكبرى تذرعا بمبررات غير مقبولة أبدا، فالبعض يسوق لفكرة حجم ومدى التأثير للعوامل الجديدة المؤثرة وبقوة كالإعلام ووسائل التواصل، ولذا فليس من المجدي - كما يعتقد - الاهتمام بترسيخ الآداب والسلوكيات الأخلاقية الرائعة فيهم، وهم بعد فترة زمنية سيظهر عليهم صبغة تخالف التوجيه الأسري، فما فائدة الجهد المضني الذي لا يرجى منه تحقيق أي تطلع أسري؟!

وفي المقابل هناك من تحملوا مسئولية تربية أبنائهم وتجشموا العمل المضني والمتابعة والإرشاد والتثقيف بلا ملل ولا كلل، وهي ليست بالمهمة السهلة ولكنهم يضعون هدفا ساميا في مرمى تهديفهم، ألا وهو السير بفلذات أكبادهم نحو الارتقاء بشخصياتهم لعلياء النجاح والتفوق، ويمسح حبات العرق من جباههم كل تقدم في قدرات فلذات أكبادهم يحققونه على مختلف الأصعدة الحياتية.

ومساندة الأبناء تشمل المساعدة على تجاوز العقبات التي تواجههم في مدرستهم وعلاقاتهم وطموحاتهم، فالتعامل مع أي مشكلة دون التهرب منها أو اتخاذ التسويف والاتكالية حلا ووسيلة يشكل ضعفا في شخصياتهم، والصحيح هو التعامل بهدوء وتفكير في المخارج والنتائج وتحمل مسئولية الحل والتحلي بالصبر وتحمل تبعات أي خطأ أو تقصير، فهذه المنهجية المنطقية تحتاج إلى الاستناد خبرة وتجارب الآباء والأمهات، والوقوف معهم في كل خطوة يقدمون عليها مع تشجيعهم وتقديم المحفزات لهم، بالتأكيد أنه سيمنحهم الثقة بالنفس والأمان الأسري، ويفتح لهم إطلالة على فهم راحة البال والتنعم بالسعادة والهناء، إذ يكمن في العمل المثابر لا الكسل واليأس.

الأجواء الأسرية المستقرة والمبنية على التفاهم والاحترام والثقة المتبادلة بين الأفراد تعد بيئة خصبة تترعرع فيها السلوكيات الإيجابية كالصدق وتحمل المسئولية والهمة العالية، ويتحفهم الوالدان بالعاطفة الجياشة التي تشع حنانا وحبا يورثهم الثقة بالنفس.

ومسئولية التربية هي الدور الأعظم والأهم الذي يؤديه الوالدان تجاه أبنائهم، وذلك من خلال التوجيه والإرشاد للآداب والقيم والتصرفات الرائعة، مع متابعة - وليس تلصصا - لسلوكياتهم وأفكارهم ويقيمون أداءهم، وليس هناك أنجح في التربية والتوجيه الأسري أنجح وأنجع من القدوة الحسنة، فيحاكي الأبناء طريقة حوار وتصرف آبائهم وأمهاتهم، فاحترام الآخر ومراعاة حقوقه ومضة سلوكية يقدمها الوالدان لأبنائهم وتعد أفضل من كلمة وكلمة وكلمة، فالانفصام السلوكي عند الطفل ينشأ من المباينة التي يراها ما بين قيم ومثل يتلقاها بينما يعاين خلافها في سلوك والديه ومعلميه، إذ حينها يجد نفسه في حيرة من أمره ولعله يتبنى أسلوب التلون والخداع بسببهم.

وآخيرا فإن العقاب التربوي يشكل حافزا على التخلي عن التصرفات والسلوكيات غير المرغوب فيها، فالتراخي واللا مبالاة بما يظهر منه من كلمات وتصرفات سلبية سيقوده نحو ترسخها والتعامل بها عندما يكبر، فالدلال الزائد لا ينجم عنه إلا خلق روح الاستهتار والاتكالية والتكاسل عند الطفل.