آخر تحديث: 24 / 4 / 2019م - 10:43 م  بتوقيت مكة المكرمة

الدائرة المغلقة

وديع آل حمّاد

القراءة الرغبوية لموضوع يتعلق بقضية هامة وحساسة، ألا وهي التعصب الفكري لا تجدي نفعاً، بل نحتاج في مقاربتها إلى تفعيل العقل النقدي.

لابد أن نعترف بأننا أمام ظاهرة خطيرة تتعاظم يوماً بعد يوم في مجتمعاتنا الإسلامية، وشرارها يتطاير في جميع الاتجاهات، وإذا لم تواجه مسبباتها سيتوارثها جيل بعد جيل.

التعصب مفردة تنطوي على حمولة سلبية، وهي موضع اهتمام وبحث ودراسة كثير من المفكرين والمثقفين والمهتمين بهذا الشأن، لأن سيادتها في أي مجتمع تعني شيوع الكراهية والأحقاد والضغائن والقطيعة والخصومة بين أفراده.

والتعصب له أشكال عدة: عرقي، قبلي، ديني، طائفي، رياضي، فكري ونحو ذلك.

وقطب الرحى في مقالنا هو التعصب الفكري الذي ليس قصراً على فئة دون أخرى، بل عابر للفئات. وهو يعني الأنا والأنا فقط، فالشخص الذي يحمل في طيات نفسه بذور التعصب الفكري يعيش حالة تضخم الذات، فلا يرى إلا فكره ويرفض فكر الآخر وعدم قبوله. وبصياغة أخرى: المتعصب فكرياً يفكر دائما بصفة أحادية مع إلغاء الرأي الأخر.

تضخم الذات تبعد الإنسان عن حقيقته، حيث الإنسان كائن ثقافي فكري ديناميكي، يستطيع أن يكون عنصراً فاعلاً ومؤثراً ومساهماً في بناء مجتمعه والإنسانية اعتماداً على مخزونه الثقافي وأدواته المعرفية وعتاده الفكري، ولكن بشرط الابتعاد عما يحول من انطلاقته نحو الهدف الأسمى، لذا نجد المساهمين في رقي ورفعة وتقدم الإنسانية غالباً بمنأى عن تضخم الذات. والأشد خطورة من تضخم الذات لدى المتعصب فكرياً هو حصوله على نوع من القبول الاجتماعي، الذي يكون بمثابة شرعنة لتعصبه، ومن ثم تماديه في سلوك هذا الطريق وعدم التراجع عنه.

وهنا يقفز إلى أذهاننا سؤال، وهو:

ما علاقة المتغير والثابت في نشوء التعصب الفكري لدى الفرد؟

للإجابة على ذلك لابد من إيضاح ما المقصود بالثابت والمتغير. الثابت لا يحتمل إلا خياراً واحداً صحيحاً، والمتغير يحتمل خيارات عدة. وعدم القدرة على التمييز بين الثابت والمتغير يؤدي إلى نشوء نزعة عصبية لدى الفرد، ووجود حالة سلبية اتجاه المختلف الآخر، نتيجة قلة الخيارات المحتملة الصحة. وبصيغة أخرى: المتعصب فكرياً يعيش في دائرة فكرية مغلقة، لا مجال لإطلالة شمس العقل عليها، بل يبقى العقل مشلولاً ومكبلاً والتفكير التوليدي مغيباً، نتيجة قلة الخيارات المتاحة لاجتراح الحلول، فلا خيار أمامه إلا لوي أعناق الحقائق وتحويل المزيف إلى أصيل واعتبار الأمر الظني أمر قطعي لابد من التسليم به، بخلاف الإنسان المتضحة لديه معالم الثابت والمتغير تجده يستمتع بنسمات أجواء التفكير التوليدي العليلة المتسم بالدينامية والمرونة، ويجترح من الفرص المتاحة حلولاً ناجعة.

وعلى هذا الإنسان الذي يميل نحو تضييق دائرة الخيارات تتشكل في داخله نزعة دوجماطيقية قطعية، أي قبوله ورفضه للأشياء تتسم بالإطلاق دون النظر إلى محتوياتها وما تختزنه عناصرها من مقبولية ومعقولية.

فأصحاب هذه النزعة القطعية الإطلاقية، تجدهم يتوسلون كل السبل وكل ما يملكون من عتاد وقوة ورباط الخيل لمقاومة التغيير والتجديد في الرؤية والمنهج، واستخدام جميع الميكانيزمات الدفاعية والمصدات في سبيل بقاء القديم على قدمه والموروث دون مس أو تهذيب أو تنقيح، واعتبار المساس به مساس بالمقدسات. وهذا منشؤه التعلق بالماضي والخوف من المجهول. وتعلق ذو النزعة القطعية بالماضي وخوفه من المجهول يجعله يعيش حالة التقوقع والعزلة الثقافية والغربة الفكرية.

وللخروج من هذه الأزمة الفكرية التي تحول دون تقدمنا ورقينا ومواكبة الواقع علينا تغيير زوايا التفكير، وهذا لا يكون إلا بنشر ثقافة الحوار وسيادة التفكير النقدي واتباع الدليل والتجرد من التبعية والتقليد الأعمى ومحاولة فهم الآخر.

وأخيراً: هل بات الفرار من التعصب الفكري حلماً بعيد المنال؟

فلنملك الشجاعة ونطارد هذا الحلم لتحقيقه كما قال المنتج والمخرج في مجال الرسوم المتحركة والت ديزني: «ستتحقق كل أحلامك إذا كنت تملك الشجاعة لمطاردتها». نعم لنملك الشجاعة بالسير في دائرة مفتوحة لا مغلقة، عناصرها تحرير العقل ومنهجية منفتحة ورؤية لا ضبابية فيها. ولا نتردد في السير فراراً من التعصب بقنديل العقل، لأن المتردد كما يقول ألبرت إينشاتين: إنسان يعيش تائهاً وبعيداً عن كل الحلول.