آخر تحديث: 24 / 4 / 2019م - 11:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

حكمة سجادية

ورد عن الإمام السجاد : «المؤمن يصمت ليسلم» «الكافي ج 2 ص 182».

يحذرنا الإمام السجاد من مخاطر وآفات اللسان وما ينجم عنها من أضرار شخصية واجتماعية، والغريزة المودعة في الإنسان وهي طلب السلامة والبعد عن مصادر الخطر، تدعوه لتحري مفعول وتأثير أي كلمة قبل أن يتفوه بها، فكم من كلمة نارية جرت من الويلات ما لم يجد معها أي ندم وتحسر بعد فوات الأوان، وكانت سببا للقطيعة ونشوب الخلافات.

هي حكمة سجادية: «المؤمن يصمت ليسلم» تدعو لتحري السلامة وتجنب الأذية لنفسك وللآخرين، والصمت جميل لا في كل المواضع بل حينما نشعر بهبوب عاصفة الخصام العاتية وتغير القلوب نحو الاسوداد، فالحوارات الطائشة ترمي بحممها فتصيب كل ود وإخاء وتحرق جسور التواصل والثقة والاحترام المتبادل بين الناس، فالصمت ليس بتهرب عن الواقع درءا لكل ما يعترضنا من مشاكل وتبعات تترتب على كلامنا، فلا يقعن الخلط بين الصمت الإيجابي الداعي إلى الإمساك بزمام النفس وضبط انفعالاتنا، وبين الصمت السلبي الذي يتخلى فيه المرء عن قول الحقيقة حفاظا على مصالحه وعلاقاته الممتلئة بالمجاملات المقيتة، ولكنه دعوة لحفظ النفس من الانحدار نحو جنون الغضب وفقدان العقل الواعي والاحتكام إلى المشاعر المتأججة بسبب حوار ساخن، ويكفي أن ننظر سريعا إلى كثير من حواراتنا المتفلتة على جميع الأصعدة والتي تحولت إلى صراك الديكة، يحاول كل طرف أن يسجل انتصارا وهميا على الآخر حينما يبرز عضلاته الكلامية المفتولة، فالحوار الهادئ يبحث عن الحقيقة وجلاء المواقف وتلاقح الأفكار وتبادل وجهات النظر وتقريب الأنظار، أما الطلب السرابي لتحقيق المكانة ونيل إعجاب المصفقين فهو وهم لا طائلة منه غير التعب النفسي والسقوط من أعين العقلاء الفطنين، إذ الأصوات العالية بالصراخ والشتم والتجاوز الأخلاقي على الغير كصوت الطبل الأجوف، لن يغير من الواقع والحقائق شيئا.

ما نعاني منه اليوم من تحول الحوارات وتبادل الآراء بين مختلف الأطراف والأطياف الاجتماعية إلى مشاحنات وهوشات، بل لا نبالغ اليوم من توقع الكثير لأي حوار بتغيير مساره من كشف الصورة الواضحة لأي قضية أو ظاهرة، وتحوله إلى تراشق بالكلمات وتوجيه الإساءات وشخصنة الموضوع.

لا مخرج ولا خلاص من الوصول إلى هذا الأفق المسدود والآفة التي تضرب العلاقات بقوة إلا بضبط النفس وهدوء الأعصاب، وذلك من خلال ثقافة احترام الأطياف مهما تنوعت في أفكارها ورؤاها، وأما الأفكار السقيمة الملفوفة بالمغالطات والاشتباهات فلا تستحق منك حنقا وتغيظا ورفع عقيرتك بالصراخ في وجهها، فذاك ليس من صفات وتصرف الإنسان العاقل الذي يزن الأمور بروية وحكمة، ولكن من المفترض أن يتم تناولها بالنقد الهاديء وتقويض دعائمها المتهاوية بالدليل والبرهان، فالنقاشات الحادة لا تأتي بأي ثمرة أبدا وإنما هي مضيعة للوقت والجهد وأضرارها كثيرة، فالانجرار إلى مرحلة الخطر وما لا يحمد عقباه في مناطق التوتر العالي، وتسود لغة السباب والغمز من قناة الآخر وانتقاص شأنه، ولذا علينا التمسك بما دعا له مولانا السجاد من ضبط للنفس والتعامل مع الأفكار والمواقف بعقلانية وبعيدا عن العواطف البحتة.