آخر تحديث: 24 / 4 / 2019م - 11:27 م  بتوقيت مكة المكرمة

مدينتي المطمورة تحت أحجار ذاكرتي

محمد الحرز صحيفة اليوم

مثلما تتعثر قدمك بحصاة فجأة وسط الطريق، مثلما تجفل وتسحب نفسك سريعا للخلف قبل أن تصل إليك الموجة الضخمة وأنت أمام الشاطئ، مثلما يداهمك حزن عميق وأنت وحدك في المنزل تقلب بنظرك أثاث المنزل قطعة قطعة، مثلما تترقب بلهفة قدوم الأصدقاء لزيارتك. لكنهم يعتذرون آخر لحظة لأسباب واهية، مثلما يضرب أطناب خيمتك الأرق وعمودها لم يرتكز بعد في أرض نومك.

هكذا يكون الأمر حين تدفعني عربة الكتابة إلى حافة الهاوية كي أصغي إلى نداء الاستغاثات التي تطلقها مدينتي المطمورة تحت أحجار ذاكرتي.

المدينة ليست سوى الأحساء، والاستغاثات ليست سوى صوت الحنين الذي يخبرنا أن المكان الذي أحاطنا بذراعيه منذ الطفولة لا يريد منك الآن سوى الالتفات حتى تمنحه اللغة كي يقول لك: هذه مدينتك، وهذه كلماتك، فهيئ نفسك للدخول من بابها الكبير، ولا تصغِ إلى أحد سواها.

لكن ماذا يصنع الشاعر حينما يتجاوز العتبة وفي يديه لغته المتدفقة من رحم الحنين؟

وماذا يصنع الفلاح أيضا حين يضع على ظهره الفأس وينتظر شروق الشمس ليذهب للحقل؟

الأطفال الذين يلعبون في الطرق وسط حاراتهم الطينية ماذا يتوجب عليهم كي يكسروا الوقت حتى لا يستطيع الذهاب بهم إلى المستقبل، النساء اللائي يذهبن بملابس العائلة وأوانيها المتسخة إلى منابع الماء الصافي المنتشرة بين طرق المدينة وحقولها فأي منهن الآن لها القدرة على معرفة أن المياه التي جرت على أيديهن سوف تعود لعروق الأرض ثانية، لتضخ الحياة في جذور النخيل.

هؤلاء كل له أحساؤه التي كون عمارتها في مخيلته وتربت في روحه مثل طفل لا يكبر، وكل له زاوية النظر التي ينظر إليها من خلالها، وكوني أحد شعرائها أحتاج إلى كامل الحواس كي أترقبها وهي تعبر جسر كتابتي بانتباه لا يشوبه غفلة على الإطلاق.

العبور ذاته سيدلك على مشهد الأحساء الطفولة، وسيجول بصرك في حارات «الكوت» و«شارع الفوارس» و«دروازة الخميس» في سبعينات القرن العشرين.

لكن ما يعمق الإحساس البصري هو استدعاء الرائحة، فالحارات قديما لا يمكن أن تعبر حادثة إلى الذهن ثم تستقر في الذاكرة إلا وكانت رائحة الغبار جزءا منها تماما، وكأن ثمة تلازما عضويا بين البصر والرائحة في تشكيل ذكرياتنا في الطفولة. لذلك سرعان ما يحس الشاعر أن لغته امتلأت أجواؤها بالغبار، ويبقى هذا الإحساس عالقا لا يذهب، مهما حاول أن يجلب إليه الغيوم والأمطار.

بينما المدينة في مرحلة النضوج من العمر هي مزيج من الأساطير والقيم والعادات الاجتماعية والروحية التربوية التي تدور جميعها في مساحة جغرافية محددة اسمها الأحساء. فهذه المساحة لا تكبر إلا إذا كبرت مساحة اللغة في دواخلنا، فعبور الأحساء من الواقع إلى اللغة والعكس، هو حتمية الحب الذي يترسخ في نفوسنا مع كل مدينة ولدنا فيها وتربينا تحت سقف بيوتها. لكن ماذا عن الفلاح الذي لا يملك اللغة؟ هل يمكن اعتبار النخلة الأحسائية هي البديل خصوصا أنها محورية في صنع حياته اليومية؟ بالتأكيد هي كذلك، فلن تجد بيتا أحسائيا يخلو من حكاية عن النخلة وما أكثرها حيث تنوعها حتى أصبحت رأس مال رمزيا ملازمة للشخصية الأحسائية، وإلا كيف للمرء يفسر وجود أعظم واحة في صحراء دون أن يكشف سر العلاقة القائمة بين شخصية الأحسائي من جهة وتاريخ النخلة من جهة أخرى؟!.