آخر تحديث: 12 / 11 / 2019م - 12:40 ص  بتوقيت مكة المكرمة

لك الله كم كبرت!

يقاسُ عمرُ البشرِ في ترهلاتِ أحداقِ عيونهم وعدد التجاعيدِ التي تظهر على وجناتهم. هي مثل قياسِ عمر الشجرةِ من خلال الحلقات وطبقاتِ النمو السنوية التي يتمُّ إنتاجها في الجذوعِ والسيقانِ. هكذا نعرف الأعمار، لكن هل هناك مسطرة ننظر بها للإنسانِ ونقول: تبارك الله كم كبر عقله وكم صار يعرف أكثر، وهاهو ينمو ويكبر؟

يميط امتحانُ اللقاءِ القصير اللثامَ ويظهر شيئاً من نمواتنا الفكرية والعقلية ولكن تبقى المشكلةُ في كيفَ تكبر عملياتُ هروبِ البشر من قياسِ عمقِ المعرفة إلى كثرةِ العناوين، بمعنى أننا نعرفُ بعضَ الشيء عن كثيرٍ من الأشياءِ ولا نعرف الشيءَ الكثير عن أيٍّ منها. كان عندي صديقٌ يجعل رأسي يضج ألماً في دقائقَ معدوداتٍ كلما تنقل من رأسِ قلمٍ ل?خر وأنا ألهث جرياً خلف هذه العناوين أحاول اصطيادَ بعضها ولكن ”تَكَاثرَتِ الظّبَاءُ على خِرَاشٍ.. فما يدري خِراشٌ ما يصيدُ“.

لاشك أننا ننمو كل يومٍ دون أن نشعر ودون أن نستطيع أن نقيسَ كم كبرنا، وليس مهمًّا أن نمتحنَ أنفسنا إذا لم يكن الإمتحان لدراسةٍ أو عمل، ليس مهماً أكثرَ من أننا فقط نعتبر أنفسنا غير مكتملينَ في المعرفة ولن نكتمل أبداً، ومن الأجدى أن نضخ دمَ المعرفةِ في دورةِ تكويننا دون أن نعتقد أننا أصبحنا حيث يجب أو حيث نريد.

كم أحببنا في الصغرِ أن يسألَ الكبيرُ عندما يزورنا عن ”الجهال“ بقصد الصغار. رافقتنا الكلمةُ ولا نزال جهالاً بغض النظر عن كم سنةٍ كبرنا، فمرحى لصغارِ اليوم هم يكبرونَ كلَّ يومٍ في العقلِ والجسمِ مثل كل شهرٍ أو سنةٍ حينما كنا في أعمارهم، مما يجعلني كل مرةٍ أرى ابني الصغير أقول له: حماكَ اللهُ كم كبرتَ أيها الصغير. يأتي جيلٌ من البشرِ ويذهب، لكن يبقى صريرُ الأقلامِ والعقول خطًّا مستقيماً ممتداً إلى ما لا نهاية ولا ينقطع، فقط حينها نكبر دونَ أن نحتاجَ أن نقيسَ كم كبرنا! لم يعد العلم في الحبرِ المسالِ على الورقِ أو في الجلوس فوق كرسي المدرسةِ للصغار، بل إن العلمَ والمعرفةَ تنادينا في كل نواحي الحياة، وتخرج من كل ?لةٍ وجهاز، والعلم كله لله أينما كان في الدينِ والبدنِ والكون.

من غير البعيد أن تأتي اللحظةُ التي يزرع فيها العلمُ رقاقةً في رؤوسنا ويحيلهَا إلى أجهزةٍ تضج بالمعرفةِ في كلِّ شيء. لا بأسَ متى ما كان ذلك، ولكن هل سيزرع العلمُ رقاقةً تذكر الإنسانَ بأنه إنسانٌ أيضاً وهل سوف نفرق بين العلماءِ ودراويشِ العلم؟ العمرُ ينقضي وليس سيان الجهلُ والعلم والفقرُ والغنى في أعمارِ الشعوب والأمم. الأرض لمن أرادَ الخلودَ مثل كثبانِ الصحراء التي يمشي عليها الأجيال ويحفرون بأقدامهم حفراً تدفنها الريحُ حين يرفعون أقدامهم عنها، فإن كانوا يريدون آثارهم تبقى لابد لهم من مواصلةِ المسير وإلا دفنت خطاهم الرمال.

الآن أنظر للماضي من ثقوبِِ الحاضرِ المهترئ وأقول: الله كم كانَ جميلاً الكرسي الصغير، واللوح الأسود، وكم كان أبيضاً لونُ الطباشير، وأي مقامٍ من مقاماتِ العشق نناجي حين كنا ثلاثينَ صغيراً نُعيد صدى صوتَ أستاذنا! إن كنتَ في هذا العمر فافرح إذ الأيام تذهب سريعاً...

مستشار أعلى هندسة بترول